ليخرج الحزن.. ولتدخل السيدة

ننشر هنا نص الشاعر والروائي الفلسطيني مريد البرغوثي الذي رحل عن عالمنا في شباط/فبراير الماضي، يكتب في حفل تأبين لزوجته الروائية والناقدة رضوى عاشور التي رحلت في العام ٢٠١٥.

افتحوا الأبواب لتدخل السيدة

من ينشغل بحزنه على فقد المحبوب ينشغل عن المحبوب

الآن أطلب من حزني أن يتجه إلى أقرب بوابة ويغادر

هادئً كما جاء أو هادراً كما يشاء ولكن لا يلوث الأنظار

لا يُعجبني جوعه ولا تلكأه

أنا أكاد اكرهه تحديدًا لهذا السبب

كأنه حزنٌ لا يثق بنفسه

وكأنه إن اكتفى اختفى

كأننا لم نشاركه مقعده ومخدته ومنديله و ملمس حذائه على زجاج ساعتنا

لست أنت المهم اليوم ولا أنا أيها الحزن

أنا منشغل بها لا بك أنت

بسعيها العسير للنصر في مواجهات زمانها

واجهت السرطان خمسة وثلاثين عاماً

ومحدثوها لا يرون في حديقة لقائها إلا أشجار السرور وفاكهة السماحة والرضا

واجهت السائد المتفق عليه

واجهت الطاغية المسكوت عنه

وواجهت حتى الرمق الأخير والرمق الأغلى ركاكة الناطقين باسمنا

وركاكة الضوء المشترى

وركاكة الكلام وطقوس الهوانم

هي التي جعلت لقلبها يداً مُنصفةٍ تصافح الأضعف وتصفعُ جملة الطاغية وشبه جملته

يداً تسهر الليالي لتصحح الواقع .. والامتحان

هي التي جعلت هشاشتها اسماً آخر للصلابة

هي التي علمت الديكتاتور كيف ترفض انتباهه المشبوه لقيمتها

وفي سلة مهملات واسعة قُرب حذائها الصغير – نمرته خمس وثلاثون-

ترمي المناصب الثمينة المعروضة والألقاب الرفيعة المقترحة

ودعوات الحظيرة القصر التي يهرول إليها سواها

مُكتفيةٍ بفرح القارئِ لبرق السطور من يدها

هي الأستاذة صوتها ينادي أصوات طُلابها لا آذانهم

لأن صوتها يُسمِعُ ويسمع

ولأنها لم تسع إلى أي ضوء

غدت بذاتها ضوءً في عتمة البلاد

وضوءً بين أغلفة الكتب

وضوءً من أضواء اللغة العربية

التي هي البطل الدائمُ والأول في روايتها

اخرج من أقرب بوابة يائسة أيها الحزن

ودعني استبدل بك ابتسامتها

التي تذهِبُ حزن الرائي

فابتسامتها رأي وموضع خطوتها رأي وعناد قلبها رأي وعزلتها عن ثقافة السوق رأي

ودائماً جعلت رأيها معروفاً موقعاً بإمضائها

رغم زوار الفجر وفجور الطاغية

يروح طاغية وطاغيةٌ يجيء

رضوى جمالُ رأيها ورأيها جمالها

فالمظلوم يخسر إن لم يكن في جوهره أجمل من الظالم

وهي لم تخسر جمالها حتى وهم يؤذونها بالقب

ولم تخسر جمالها حتى وهي على مِخدتها الأخيرة

سيدةُ قليلة الجسد يُتعِبُك تتبع خُطاها

تهدم السور الفاصل بين الجامعة وعموم الناس

تظنها على مرتفعها الأكاديمي فتراها على أسفلت الميدان

ذائبة في تدافع التحرير العظيم والكدمات التي تُوجِعُها تُوجِعُ الطاغية قبلها

تظنها في همس القصيدةِ وهدأة الإيقاع

فتراها في صرخة التاريخ الخارج تواً من القابلة وأرحام الشوارع

وتظنها في شوارع وسط البلد فتلقاها في غيوم غرناطة

وتظنها تجلسُ مع أبي جعفر تجلد الكتب بخطوط الذهب أو تدبر الحيل المذهلة مع مريمة فتراها تأخذ بيدك إلىشاطئ الطنطورة

تقول لك ضع قلبك هنا ودعه هنا وارسم غدك من هنا كي تعود إلى هنا إلى الساحِل الأول

لم يأخذ اليأس إلى وضحه المُغري لأنها تعلم أن الثورة لا تنتصر إلا بعد أن تستكمل كل أشكال الخيبة
ولم تمنحنا أملاً كاذباً
بل دعت نفسها ودعتنا للتحمل .. وتحملت

وعلى عصا المجاز وعصا خشب البلوط

واصلت السير في طريقها الطويل

تختصره بالرفقة

والرفقة جيلاً أحبها وأحبته

جيل قادم بصباياه وشبابه -الحلوين كما تصفهم دائماً-

يصعد جبل السؤال والمسائلة والبحث عن الحقيقة تحت كومة القش الرسمي

يصعد جبل الظهور العظيم الذي وحده يزيد العيون اتساعاً والعمود الفقري استقامة

جيلٌ يرى أن الثوابت ما خُلقِت إلا لكي نرجها رجاً ونهتك منها ما يستحق الهتك

حتى نعرف الفرق العظيم والقاصي بين الوراء والأمام

تنشقُ في أول العمر عن ثوابت الجدود والتعاليم

تمزقُ العباءة الموحدة المقترحة لكل أجسادنا لأنها تحترمُ الجسد لا العباءة

تنقدُ بدراستها المُدهشة كُتب الإبداع وبإبداعها المُدهش تنقدُ العالم .. وتصعدُ

فاتركوا الأبواب مفتوحة ليخرج الحزن ولتدخل السيدة

وقعُ خطاها خفيفٌ وأكيدٌ على هذا الدرج

إنني أسمعه يقترب

رضوى عاشور جزءٌ مما سيصنعه هذا الجيل في أيامهِ الآتية

وهو جزءٌ مما صنعته في أيامهِ الماضية

إن أثقل من رضوى ما تركته لنا وما تركته لنا

رضوى عاشور تركتنا بعدها لا نبكي بل لننتصر

تركتكم بعدها لا تبكوا بل لتنتصروا

الأحزاب الفلسطينية أمام استحقاق تمثيل المرأة سياسياً

للمرة الأولى منذ خمسة عشر عاماً يعكف الفلسطينيون على تنظيم انتخابات عامة على ثلاثة مراحل، وفقاً لمرسوم رئاسي صدر في 15 من كانون الثاني للعام الجاري، حُدد فيه مواعيد إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني بشكل متتالي، وجاء المرسوم ثمرة لحوارات فصائلية استمرت طيلة الأعوام الماضية وخاصة بين ممثلي حركتي "فتح" و "حماس".

وتمثل توجهات الأحزاب والفصائل دوراً رئيسياً في تحديد البيئة الداخلية للانتخابات والظروف التي تسمح بتطبيق مرسوم الانتخابات حسب الجدول الزمني من خلال تذليل العوائق الكبيرة والمتداخلة والتي تعكسها اعتبارات الفصائل الفلسطينية، إذ تعتبر الانتخابات فرصة للحوار الوطني وتجديد شرعية النظام السياسي ومؤسساته وتحقيق المصالحة والاتفاق على طبيعة المشروع التحرري للفلسطينيين، وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة تفعيلها كممثل شرعي ووحيد لكل الفلسطينيين.

وبالنظر للواقع الفلسطيني، وعلى الرغم من تراجع دور الأحزاب والفصائل السياسية الفلسطينية وغياب مواقفها وعملها في كثير من الأحيان، وخاصة بما يتعلق بانخراطها في قضايا وهموم الشعب الفلسطيني خاصة الاجتماعية منها وما يتعلق بقضايا النساء والشباب، إلا أن التفاعلات على الساحة الفلسطينية لم تنتج أطر بديلة، وما زالت الأحزاب تشكل الإطار المنظم والوحيد للمشاركة السياسية على الساحة الفلسطينية، وتنبع أهمية الأحزاب والفصائل كونها الأقدر على تنظيم جماهيرها وتمثيلهم من خلال مشاركتها في تشكيل الحكومة أو الأطر القيادية لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.

المرأة الفلسطينية والأحزاب السياسية:
تعتبر مشاركة المرأة في الحياة السياسية من أهم عناصر العملية الديمقراطية وتعكس تطور النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمعات المعاصرة، وبالتالي فإن مشاركة المرأة السياسية إحدى آليات التغيير الديمقراطي في المجتمع لما لها من دور في تغيير البنى الاجتماعية التقليدية والحد من أثرها وخاصة تلك الأنماط التقليدية التي لا تعترف بدور المرأة في الحيز العام.

وفي السياق الفلسطيني انخرطت النساء في العمل السياسي منذ بداية تشكل الأحزاب والفصائل السياسية، والتي ظهرت لتنظيم العمل الجماهيري لمناهضة سياسات الاستعمار ومقاومة الاحتلال، حيث لعبت المرأة دوراً مهماً في المراحل المختلفة للنضال الفلسطيني ضد الاحتلال حتى يومنا هذا، مما أدى إلى تشكل أطر نسوية لدى هذه الأحزاب والفصائل إيماناً بأهمية مشاركة النساء في العمل السياسي وانخراطها في المشروع الفلسطيني التحرري.

وعلى الرغم من التضحيات التي قدمتها الحركة النسوية في نضالها ضد الاحتلال والتي كانت بمثابة ثورة على كل أشكال التسلط والقمع والغطرسة أياً كان مصدرها سواء كان الاحتلال أو المجتمع الأبوي، حيث تميز خطاب الحركة النسوية في فلسطين بتبنيه للقيم الديمقراطية وإعلاء شأن الحريات ومناهضة التمييز كونها حركة تشكلت أهم معالمها في سياق مشروع تحرري تقاطع مع القوى السياسية الديمقراطية والتقدمية، إلا أن ذلك لم ينعكس على تمثيل النساء في الأطر القيادية داخل الأحزاب والفصائل الفلسطينية، بل أدى إلى تراجع دورها، وانحسار مشاركتها في إطار تجميلي لا يعكس بالضرورة تضحيات ونضال النساء الفلسطينيات في سبيل تحررهن ونيل حقهن في تقرير المصير.

ومن المؤكد أنه في ظل سيطرة الثقافة الذكورية على عمل الأحزاب والفصائل، وغياب الآليات الديمقراطية للتغيير وتداول الأدوار القيادية كالمؤتمرات الانتخابية قد عزز من تهميش المرأة ودورها في العمل السياسي، واقتصر على العمل الميداني في الأنشطة والفعاليات، بالإضافة إلى دورها في الحشد الجماهيري، مما يعني غياب قيادة نسوية قادرة على التأسيس لشراكة حقيقية في أطر صناعة القرار وتشكيل برامج سياسية واجتماعية تلبي الاحتياجات المجتمعية وتعكس التغيير في البنى الاجتماعية التقليدية.

وتظهر الاحصائيات تدني مستوى شراكة المرأة في الأطر القيادية للأحزاب والفصائل وحتى غيابها في بعض الأحزاب والتيارات الإسلامية، فقد بلغت نسبة تمثيلها 4.7% فقط في اللجنة المركزية لحركة فتح، بينما 15% في المكتب السياسي الذي يعتبر أعلى هيئة قيادية لدى الجبهة الشعبية، 21% في المكتب السياسي لدى الجبهة الديمقراطية، و25% في المكتب السياسي لدى حزب الشعب، بينما شكلت أعلى نسبة لدى حزب "فدا" ، وانعدمت مشاركة المرأة لدى الأطر القيادية في حركة المبادرة الوطنية وجبهة التحرير العربية والمكتب السياسي لحركة حماس.

إن غياب الإرادة السياسية لدى الأحزاب والفصائل الفلسطينية بشأن تعزيز مشاركة المرأة، شكل تحدياً مهماً للحركة النسوية، خاصة في ظل تراجع جماهيرية الأحزاب طوال سنوات الانقسام السياسي، وفقدان قدرتها على تجديد نفسها وبالتالي تجديد برامجها السياسية والاجتماعية وطرح بدائل قد تكون أكثر حداثة وتناسقاً مع تطلعات الشعب الفلسطيني، أدى ذلك إلى عزوف مكونات الجمهور الفلسطيني عن الانخراط في الأحزاب ومنها النساء، مما أثار تساؤلات عن مدى تمثيل الأحزاب للجمهور الفلسطيني وبالتالي مدى الشرعية التي تتمتع بها خاصة في ظل إقصاء مكونات مجتمعية كاملة كالنساء والشباب.

وفي ظل التحضيرات الجارية لعقد الانتخابات التشريعية القادمة، صدر قرار بقانون بشأن تعديلات على قانون الانتخابات (1) لسنة 2007، شمل شرطاً أن تتضمن كل قائمة انتخابية حداً أدنى لتمثيل النساء وأن لا يقل عن امرأة واحدة من بين أول ثلاثة أسماء في القائمة، والأسماء الأربعة التي تلي ذلك، ومن ثم كل خمسة أسماء تلي ذلك . ورغم هذا التعديل الا إنها ما زالت دون المأمول كونها غير مرتبط بنسبة كوتة نسائية محددة تضمن لهن عدد معين من المقاعد داخل أروقة المجلس التشريعي.

وفي السياق ذاته، فإنه لا تستجيب للمطالبات النسوية على مدى السنوات السابقة، والتي دعت لرفع الكوتة النسوية إلى 30%، وذلك لضمان الحد الأدنى لوصول النساء للمستويات القيادية في مكونات النظام السياسي الفلسطيني، في ظل عدم قدرة المرأة المستقلة على تحقيق اختراق مجتمعي لقبولها كشريك سياسي،  لذا فإن فرص النساء للفوز تتمثل فقط في القوائم الحزبية الكبيرة، مما يعني تحمل الأحزاب والفصائل مسؤوليتها تجاه النساء من خلال تمكينهن بالتمثيل السياسي وتوفير الأرضية اللازمة للتغيير الديمقراطي الذي يقع على عاتق الأحزاب والمكونات السياسية الفاعلة على الساحة الفلسطينية.

إن واقع الحال يشير إلى أن الجهود التي بذلت خلال السنوات السابقة لتمكين النساء القيادات في أحزابهن

مشاركة الشباب في الإنتخابات الفلسطينية ... إستحقاق وواجب

خلال الأشهر القليلة المقبلة ستكون فلسطين على موعد مع استحقاق دستوري سياسي مهم ألا وهو الانتخابات التشريعية والرئاسية والتي تقررت

الحقوق الاقتصادية للنساء والفتيات ذوات الإعاقة

مؤسسة قادر للتنمية المجتمعية

لا تزال فلسطين كما سواها من الدول أياً كان مستوى التقدم فيها

كنت أتمنى أن أولد صبياً

في بيتنا كان هناك خطٌ فاصل، لا تراه عيناك، لكنّه يحول الأشخاص إلى آخرين تماماً، أحياناً تكون حقيقته المدفونة داخله كوالدي، وأحياناً أخرى تحوله إلى شخصٍ منافق حينما فقط يدخل بيتنا بعض الزوار، وأحيانا

لنساء العالم حربٌ واحدة، وللفلسطينيات حُروبهنّ

أن تكتب مقالًا عن آخر ما توصلت إليه تكنولوجيا الفضاء، أو عن عدد الأقمار الصناعية التي تدورُ حولَ الأرض، أو عن سيرِ العَمل في مناجمِ التعدين، أو عن برمجةِ العملات الرقمية، فإنّهُ أسهل بكثير من أن تكتب مَقالًا محددًا بعدد الكلمات تصف فيه المرأة الفِلَسطينية.

"قانون العائلة" آخر معاقل رجال الدين

كنت اتصفح الستوريز على الانستغرام عندما لفتتني صورة من عريضة موقعة باسم عائلة معروفة ضد اتفاقية "سيداو" نشرها صديق لي ينتمي إلى هذه العائلة، لنسيمه "الرجل العصري بسلامتو".  وهو شاب عصري،

عناقيدُ ماضٍ.. أزاهيرُ ذاكرة

بُكرةً .. يرتقبُني ظِلِّيَ المُحتَّمُ الخانِقُ، بابتساماتِهِ الدَّاميةِ والكثيرِ من السُّطورِ في رأسِهِ عن العَصرِ الفِيكتوريَّ، واللِحاظِ في أشعارِ العَرَب، عن الرُّوحِ تتمايَلُ كلّما لمست صوتَها..

ولادة من رحم الحلم

اليوم تستعد عائلة منال لاستقبال الحفيدة الأولى سارة الصغيرة بشعور من السعادة والحماس، كانت منال قادرة على تخيل آلام ما بعد الولادة التي ستعاني منها أختها الوسطى، وذلك بحكم أحاديث لم تستطع

ذراع عملاقة ضدَّ ظُلْمٍ مروع

الصورةُ الأولى
من المستحيل على المرءِ أن يتجنّبَ رؤية الصور؛ فلو كان أبي حدّادًا، وأبوك كان أحد النبلاء في المملكة، فسنحتاجُ حتمًا إلى أن نكون صورًا لبعضنا البعض. لن يكون بوسعنا أن نهربَ جماعيًّا من إطار الصورة عن طريق قول كلماتٍ مألوفة. أنت تراني منحنيًا أمام باب دكان الحدادة ممسكًا في يدي بحدوة حِصان فتفكرُ وأنت تمرُّ جواري: "يا له من مشهدٍ رائع يستحق التصوير!"،

وأنا، حين أراك جالسًا بثقة واطمئنان شديد في السيارة، تقريبًا كأنك ذاهبٌ كي تنحني أمام حشود العامة، أفكّرُ: "يا لها من صورة لإنجلترا الأرستقراطيّة العريقة المترفة!". كلانا مخطئٌ تماما في حُكمه دون شك، لكنه أمرٌ محتوم.

وهكذا فقد رأيت الآن عند منعطف الطريق واحدةً من تلك الصور. ربما كان اسمُها "عودةُ البحّارِ إلى الوطن"، أو ربما كان اسمًا شبيهًا بذلك. بحارٌ أنيق شاب يحمل مِخْلاةً؛ فتاةٌ يدُها في ذراعه؛ والجيران محتشدون حولهما؛ وحديقةُ كوخٍ ريفيّ صغير متوهجةٌ بالورود؛ حين يمرُّ المارُّ سوف يقرأُ في أسفل تلك الصورة أن البحّارَ كان عائدًا لتوّه من الصين، وأن ثمة مأدبةً رائعة كانت تنتظره في ردهةِ الدار؛ وأن هديةً في مخلاته كان جلبها البحّارُ لزوجته الشابة؛ وأنها كانت سرعان ما سوف تحمل وتنجب له طفلهما الأول. كلُّ شيء كان مضبوطًا وجميلاً وكما يجب أن يكون، هكذا يشعرُ المرءُ حيال تلك الصورة. ثمة شيءٌ ما كان يوحي بالهناء والرضا في مرأى مثل هكذا سعادة؛ فالحياةُ تبدو أكثرَ حلاوةً وفتنةً عن ذي قبل.

هكذا كان تفكيري وأنا أمرُّ بهم، ثم أقوم بملء فراغات الصورة بأكثر ما يمكنني من زخم واكتمال، أتأمّلُ لونَ فستانِها، لونَ عينيه، وأرقب القطّة التي لها لونُ الرمل وهي تنسلُّ خِلسةً حول باب الكوخ.

لبرهة من الزمن ظلّتِ الصورةُ تسبحُ في عينيّ، بحيث تجعل معظمَ الأشياء تبدو أكثر بريقًا ودفئًا، وأكثر بساطةً من المعتاد؛ وبحيث تجعل بعضَ الأشياء تبدو سخيفةً خرقاء؛ وبعضَ الأشياء خاطئةً وبعضَها صحيحةً وأكثر امتلاءً بالمعنى عما قبل. في لحظات نادرة خلال ذلك اليوم واليوم الذي يليه كانتِ الصورةُ تعودُ إلى العقل، فيفكر المرءُ بحسد، لكن على نحو طيّب، في البحّار السعيد وفي زوجته؛ ثم يتساءل المرءُ عما عساهما يفعلان، وماذا تُراهما يقولان الآن. الخيالُ يمدُّنا بصورٍ أخرى تنبثق من الصورة الأولى: صورة البحّار وهو يقطّع حطبَ الوقود، وهو يسحبُ الماء من البئر؛ فيما يتكلمان عن الصين؛ والفتاةُ التي وضعت هديته فوق جدار المدفأة ليكون بوسع كل من يأتي أن يراها، راحت تحيك في ملابس طفلهما القادم، بينما كانت كلُّ النوافذ والأبواب مفتوحةً على الحديقة بحيث تصفّق الطيورُ بأجنحتها وترفرف من مكان إلى آخر والنحلاتُ تطنُّ، و "روجرز" – هكذا كان اسمه – لا يستطيع أن يصفَ إلى أي مدى كان كلُّ ذلك مُرضيًا له بعد عُباب بِحار الصين. بينما كان يدخن غليونه، وقدمه ممدودةٌ في الحديقة.

الصورةُ الثانية
في منتصف الليل دوّتْ صرخةٌ عالية في كل أنحاء القرية. بعد ذلك كان ثمة صوتٌ لشيء يجر ساقيه؛ وبعدها سكونٌ مطبق. كل ما كان يمكن رؤيته من النافذة هو غصنُ شجرة الليلك الذي يتدلى عبر الطريق على نحو مضجر دون حراك. ليلةٌ حارّة خامدة. بلا قمر. الصرخةُ جعلت كلَّ شيء يبدو مشؤومًا. من الذي صرخ؟ لماذا صرخت؟ كان صوتَ امرأة، تسبّب فيه هولٌ عظيم لشعورٍ يكاد يكون خلوًا من النوع، خلوًا من التعبير. كان صوتٌ كأنه الطبيعةُ البشرية تصرخ ضدَّ جَوْرٍ ما، ضد رعبٍ يفوق التصوّر. ثم عمَّ سكونٌ كالموت. النجوم ظلّت تلمع بثباتٍ متقن. والحقول ترقد ساكنة. والأشجار صامتة دون حراك. مع ذلك بدا كل شيء مذنبًا، ثابتةٌ عليه التهمة، ومنذرًا بالشؤم. يشعر المرءُ كأن شيئا ما يجب أن يحدث. كأن ضوءًا ما يجب أن يظهر متقاذفًا ومتخبّطًا بقلق. شخصٌ ما يجب أن يظهر راكضًا نحو الطريق. ونوافذ الكوخ الريفيّ يجب أن تكون مضاءةً. وبعد ذلك ربما تدوّي صرخةٌ أخرى، غير أنها ستكون أقل غموضًا، وأقل افتقارًا إلى الكلمات، ستكون أكثر راحةً، أكثر سكونًا. لكن لا ضوءَ ظهر. لا قدمَ سُمعت خطاها. وليس من صرخةٍ أخرى دوّت. الأولى كانت قد اِبتُلِعت، وسادَ سكونٌ رهيب.

يرقد المرءُ في الظلام يصيخُ السمع. بالكاد كان ثمة صوت. ليس من شيء يمكن أن يرتبط به. ليس من صورة من أي نوع ظهرت لتفسّر الصوتَ، لتجعله مفهومًا للعقل. لكنْ حين بدأ ينقشع الظلامُ في الأخير، كان كل ما يستطيع المرءُ أن يراه هو هيأةٌ بشرية غامضةُ المعالم، بلا شكل تقريبًا، ترفع عبثًا ذراعًا عملاقة ضدَّ ظُلْمٍ مروّع غامر.

الصورةُ الثالثة
الطقسُ المعتدل ظلَّ متواصلاً. لولا تلك الصرخة الوحيدة في قلب الليل لأحسَّ المرءُ أن الأرضَ قد أرستْ قلوعَها في الميناء؛ وأن الحياةَ قد كفّّت عن الاندفاع أمام الرياح؛ لأنها وصلت إلى أحد الخلجان الصغيرة الساكتة وأرخت مرساها هناك، وراحت بالكاد تتحرك الهوينى فوق صفحة المياه الهادئة. لكن الصوتَ ظلَّ يلحُّ. أينما ذهب المرءُ، ربما كانت جولةً طويلة صعودًا نحو التلال، شيء ما كأنه يمور باضطراب تحت السطح، يجعل السلام والأمن والاتزان الذي يحيط بالمرء يبدو إلى حد ما غير حقيقي. كانت الخرافُ تتجمع كعنقود على جانب التل؛ والوادي يتكسّر في موجات تتناقص تدريجيًّا مثل شلال من المياه الناعمة. ثم يصل المرءُ إلى البيوت الريفيّة المنعزلة. الجرو يتدحرج في الفناء. الفراشاتُ تطفرُ وتثبُ في مرح فوق نباتات الجولق. كلُّ شيء بدا هادئًا وآمنًا لأقصى درجة. غير أن المرء يظلُّ يفكر، هناك صرخةٌ قد مزّقت الهدوء، كلُّ هذا الجمال كان ضالعًا في الجريمة مع الليل؛ الذي قَبِلَ ورضي بأن يظلَّ ساكنًا، بأن يظلَّ جميلا، في أية لحظة يمكن أن يتمزّق الهدوءُ ثانيةً. هذه الطِيبةُ، هذا الأمان كان فوق السطح، وحسب.

بعد ذلك، من أجل أن يخفّفَ المرءُ عن نفسه وطأةَ مِزاجِه المضطرب الوجِل، ويسرّي عن نفسه، يتحوّل إلى صورة "عودةُ البحّار إلى الوطن". يتأملّها كلَّها مجددًا مُنتجًا العديدَ من التفاصيل الصغيرة المتنوعة – اللونُ الأزرق لفستانها، الظلالُ التي تسقط من الشجرة الصفراء المزهرة – تلك التفاصيل التي لم نستخدمها من قبل. ها هما قد وقفا عند باب الكوخ الريفيّ، هو ومخلاته فوق ظهره، وهي برفقٍ تكادُ تمسُّ كُمَّه بيدها. وقطّةٌ بلون الرمال تتسلّل خلسةً من الباب. وهكذا يستمر المرءُ تدريجيًّا في احتواء الصورة بكل تفاصيلها، يقنعُ نفسَه بالتدريج أن هذا السكون والسعادة والرضا والجمال من المحتمل جدا أن يمتد تحت السطح أكثر من أي شيء غادِرٍ أو مشؤوم. النعاجُ التي ترعى، تموجاتُ الوادي، بيتُ المزرعة، الجروُ، الفراشاتُ الراقصة، جميعُها كانت في الواقع تشبه كلَّ شيء في العمق. وهكذا يقفل المرءُ عائدًا إلى البيت وعقلُه مثبّتٌ على البَحّار وزوجته، مُكمّلاً لهما صورةً تلو صورةٍ، ذلك أن صورةً وراء صورةٍ للسعادة والرضا قد تتمدد وتطغى على ذلك القلق والاضطراب، تطغى على تلك الصرخة الشنيعة، حتى يتم قمعُها وسحقُها فتسكن تحت وطأة إلحاحهم، خارج الوجود.

ها هي القريةُ أخيرًا، وساحةُ الكنيسة التي لابد أن يمرَّ عبرَها المارُّ؛ وتأتي الفكرةُ المعتادة، بمجرد أن يدخلها، عن السلام الذي يعمُّ المكان، بأشجاره الصنوبر الظليلة، وشواهد أضرحته المصقولة، وقبوره المجهولة غير المسماة. الموتُ بهيجٌ ها هنا، هكذا يشعر المرء. حقًّا؟ انظرْ إلى تلك الصورة! ثمة رجلٌ يحفر قبرًا، والأطفالُ يقومون بنزهة خلوية جواره بينما هو مستغرقٌ في عمله. وعندما تحمل المجرفةُ حفنةً من التربة الصفراء لتُقذفها عاليًا، يكون الأطفالُ مستلقين هنا وهناك يأكلون الخبزَ والمربى ويشربون اللبنَ من الأباريق الضخمة. زوجةُ حفّار القبور، الحسناءُ السمينة، كانت تتكئ بجسدها على شاهد القبر بعدما بسطتْ مئزرَها فوق العشب جوار القبر المفتوح كي تستخدمه كطاولة شاي. بعضُ كتلٍ من الطمي كانت قد سقطت بين أغراض الشاي. مَنْ ذاك الذي سوف يُدفن، أتساءلُ. هل مات أخيرًا السيد دودسون العجوز؟ "أوه! كلا. إنه للشاب روجرز، البحّار"، أجابتِ المرأةُ وهي تحملق في وجهي. "مات منذ ليلتين، قضى بحمى أجنبية غريبة. ألم تسمعْ زوجتَه؟ لقد اندفعتْ في الطريقِ وصرختْ" .....
"هنا أيها الجندي، تغطيّتَ تمامًا بالتراب!"
يا لها من صورة!


اديلين فرجينيا وولف 25 يناير 1882 — 28 مارس 1941 أديبة إنجليزية، اشتهرت برواياتها التي تمتاز بإيقاظ الضمير الإنساني، ومنها :السيدة دالواي، الأمواج، تعد واحدة من أهم الرموز الأدبية المحدثة في القرن العشرين. اشتغلت بالنقد، ومن كتبها النقدية «القارئ العادي» 1925، و«موت الفراشة ومقالات أخرى» 1943. كتبت ترجمة لحياة «روجز فراي» 1940، وكتبت القصة القصيرة، وظهرت لها مجموعة بعنوان "الاثنين أو الثلاثاء" 1921 انتحرت غرقاً مخافة أن يصيبها انهيار عقلي.


داخل كل نساء العالم حكايات لا تنتهي

لن أنسى ما قالته لي سيدة سبعينية كانت تجلس بجانبي في قاعة انتظار أحد المراكز الطبية،  قالت: فقدت حقي في التعليم لأن بئر الماء كان بعيداً، فأخذت الطريق إلى هناك عمراً كاملاً مني، وغدوت بمستقبل شاق

ليست مجرد ثوب تراثي!

يزخر الأدب الفلسطيني بكوكبة من النساء اللواتي لمعن في فضائه، وأخذت هذه النماذج تمزق القيود فكراً، و تكسر العزلة صوتاً؛ فأفسحت العالمية لهن مجالاً للتعبير عن شعورهن و نقل رسالتهن، وتحقق وجودهن

مزايا الفكرة الحرة

في انتظارِ اللاشَيْء
تَسرَحُ أَخيِلَةُ المفتونين
لا شَأنَ لي

أم الأرض

فِي صُحفِ الصَّبَاحِ

تُوَزِعُ الشَّمسُ أَشِعتَهَا الذَّهَبِية عَلَى شُرُفَاتِ البُيوتِ العَتِيقَة