كنت أتمنى أن أولد صبياً

  • سوسن خليف

في بيتنا كان هناك خطٌ فاصل، لا تراه عيناك، لكنّه يحول الأشخاص إلى آخرين تماماً، أحياناً تكون حقيقته المدفونة داخله كوالدي، وأحياناً أخرى تحوله إلى شخصٍ منافق حينما فقط يدخل بيتنا بعض الزوار، وأحيانا

 

أخرى يحولني أنا، لأتظاهر أني بخير و سعيدة كل السعادة.
- صباح الورد يا ورد ! بدي منك اليوم...

هكذا أسمع والدي يحدثُ الغرباء، وأنا خلف الباب أقوم بالتنظيف، وأسمعه على وشك إنهاء مكالمته، فأذهب مسرعةً إلى الأعلى للاختفاء.

يفتح والدي الباب، ثم يغلقه خلفه، تتغير ملامح وجهه من اللطف المزعوم، إلى القوة والحدة، وتقطيبة الحاجب الأكبر، ثم ينادي بأعلى صوته، وأحياناً يشتم و أحيانا أخرى يفتعل المشاكل دون أسباب وكأنه يصب غضبه من العالم على وجوهنا.

كانت والدتي تقف لتتلقى هذه القاذورات وحدها، وتبقينا داخل غرفنا، دائما تطلب منا أن ندرس ونتعلم، حتى وان انهينا بالفعل كل واجباتنا، تطالبنا بتحضير القادم، لا تريدنا حتى أن نساعدها في شيء، تريد أن تحافظ علينا من تلك الكلمات المسمومة، كانت تريد لنا السلام، لكنها رحلت، لذلك، قصصت شعري الطويل، وشمرت عن ذراعي قليلاً، تخلّيتُ عن بعض أنوثتي لأستطيع إلى الحياة سبيلا.

أما أخي الأكبر والوحيد، سافر، ليجد طريقه وحده دون سيطرة و تحكم والدي ، دون إهاناته المتكررة، جرد نفسه من كل شيء ورحل، في البداية حقدت عليه وكرهته لأنه تركنا خلفه، بعد ذلك تقبّلت رحيله ودعوت له، فربما، لا ليس ربما، بالتأكيد كنت أتمنى أن أولد صبياً وأفعل ما فعله.

كبرتْ، و تزوجتْ، وحملت معي التفائل، بحياة جديدة أجمل، تحمل بين طياتها أحلام طفولتي والسعادة المنتظرة.  كانت حقاً جميلة في البداية، و بعد التعوّد و إنجاب أول طفل، بدأ زوجي بالتهرب من مسؤولياته، وبدأ في التخفي بين ليالي أصدقائه وسهراتهم، الآن لم يعد وجهي مشرقاً  كالسابق، ففي نهاية اليوم أكون منهكة من التعب، وهو يريد الضحك و صفاء البال من المشاكل والمسؤوليات.

شيئاً فشيئاً بدأ زوجي بالتحول، أصبح منذ اللحظة التي يدخل فيها المنزل ترى ملامح وجهه تغيرت تماماً، يقطب وجهه بالتجاعيد الغاضبة، يعلو صوته، ويحق له الشتم في أي وقت وعلى أي عذر.
في الجهة المقابلة من الخط، تراه يضحك، ولا يتكلمُ إلا الكلام الموزون اللبقْ، وحتى أنك إذا رأيته قد تحسد عائلته على هذا الشخص الرائع الجميل، حتى وإن كان جالساً مع أصحابه فقط أمام باحة المنزل، تشعر أنه قط ينقط عليك بعضاً من عسله، لكن عليك رؤية التحول حينما يدخل طالباً  بعضاً من الشاي او القهوة للضيافة.

كنت أحاول بكل الطرق، أن أقلب نفسي إلى مهرج أضحكه أكثر من اصدقائه وأجذبه كي يحب جلساتنا، أحاول أن أبتسم حتى في أصعب الأيام، رغم الانهاك في جسدي و روحي، أن لا اكون كما يقولون الزوجة النكدية، حاولت بالكلمات والهدايا، أقول وأردد شعارات الافلام والمسلسلات، أنت تاج راسي، السند والاب و العظمة كلها!
ظننت أنه سيعود لسابق عهده، لكنه زاد سوءاً وكأنّي كنت أنفخ بالوناً ليعلو فوقي أكثر من علوه سابقاً، و يرى نفسه هو محور الكون، ونحن الثرى.

لم أعد أحاول، فقدت نفسي، أعيش نعم، و أقول كما يقولون " قولي الحمدلله جوزك مش منقص عليكي اشي"، وإن سألني غريبٌ عن حالي أقول أيضاً الحمدلله . أحمده فعلاً، لكنّي أشكو إليه في كل صلاة ضعفي و قلة حيلتي، أشكو إليه عذاب السنين التي لا زالت تعيش داخلي، أبي لم يضربني يوماً، لكن صفعة الروح أشد ايلاماً من صفعة الوجه.

كانوا يقولون "والدك يحق له ما لا يحق لغيره، الله يعينه بشتغل، غضبه بعد غضب الرب، هل تكفرين؟" والآن يقولون أيضاً  "زوجك هو الآخر ألا تعلمين أن غضبه بعد غصب الرب؟ و طاعته واجبة عليكِ".

اليوم رأيت ذلك الخط، لم يكن وهمياً، كان ينظر إلي بكراهية، يضحك في وجهي قائلاً أنه المذكر الكاره لكل مؤنث ولكل ضلع اقصر منه، بكيت، وهذه المرة مسحت دموعي سريعاً، و جهزت حقائبي وولدي، ووقفت على الخط مترددةً في الرحيل، ثم سألني ولدي:
- ماما على وين رايحين ؟
أجبته بتردد، لست واثقةً إن كنت حقاً سأغادر :
- إلى الجنّةِ والجحيم