لنساء العالم حربٌ واحدة، وللفلسطينيات حُروبهنّ

  • أيمن حسونة

أن تكتب مقالًا عن آخر ما توصلت إليه تكنولوجيا الفضاء، أو عن عدد الأقمار الصناعية التي تدورُ حولَ الأرض، أو عن سيرِ العَمل في مناجمِ التعدين، أو عن برمجةِ العملاتالرقمية،فإنّهُ أسهل بكثير من أن تكتب مَقالًا محددًا بعدد الكلمات تصف فيه المرأة الفِلَسطينية.

من أين ستبدأ؟

مِن التي تَشغل كُرسيًا في "الكونجرس"؟ أم الطبيبة في أعرق مستشفيات أوروبا؟ مديرة مشروع في الأمم المتحدة؟ مسؤولة ملف اللاجئين في الحكومة الكندية؟ الصحفية في بي بي سي؟ الروائية؟ الشاعرة؟ زوجة الأسير؟ البروفيسورة في جامعة كولومبيا؟ أمُّ الشهيد؟ ابنته؟ الجدّة التي لا زالت تخرجُ كلَّ صباح لتتفقد حبّات البرتقال؟ الأسيرة؟ أم تلك التي قُتلت بيدِ عائلتها؟

ربّة المنزل؟ المعلّمة؟ أم ستبدأ من التي تفتتحُ صباحها بقهوةٍ أعدّتها بيدها في الغلايّة النحاسية على شرفةٍ تُطل على الكرمل؟ أم تلك التي حين تفتح أعينها تدعو أن تمنحها الحياة ليلةً أخرى ليقصَرَ عُمر السجن يومًا آخر؟

عن جدّاتنا اللاتي حضرن الحربين؟ أم أمهاتنا اللاتي عِشن الانتفاضتين؟  عن اللاتي تقاومن الذي احتل أرضنا وتصرخُ في وجهِ عملائه؟ عن اللاتي تمردن على ذكوريةِ كلَّ شيء ليقلن للعالم أنهن قادرات أيضًا؟
كيف لنا أن نكتب عن حروبٍ لم نخضها؟ ومعاناةٌ لم نعشها؟ وآلامٌ لم نشعر بها لأننا فقط، شاء لنا الحظُّ أن نكونَ من الجِنس الآخر؟

*

العولمة أفسدت العالم، وصارت النّسْوية تُهمة، وسقطت من صفحات التاريخ محاولاتهن ليُكتب بشكلٍ آخر، ونحنُ إن نتواطئ مع الزمن وننسى أثر حزام الكلاشنكوف على أكتافهن، فسنخسرُ يدًا كانت تُحاربُ معنا.

لقد أسَّسنَ الفلسطينيات المعنى الحقيقي للنَسْوية قبل أن تَخطُر على بالِ أحد، فكُنّ في كل مكان، وما إن مالت القوّة للذكور، ولو صُوريًا، قامَ بتهميشهن ليُّلمعَّ صورته، مُتناسيًا تمامًا أن الوجودَ لن يستمرَّ إن قررن ذلك.

لنساء العالم حربٌ واحدة، وللفلسطينيات حُروبهنّ. يُحاربن جدران الغُرف المقفلةِ عليهن، أبواب البيت، كلام الحارات، نظراتُ الحي، تَقبل المجتمع، ضعف القوانين، تَحرش المدير والزملاء، إهانات الإحتلال، وحين تقررُّ أيًّا منهن الذهاب بعيدًا لتحقق ما تُريد، تصطادها رصاصات الإشاعات.

حربٌ أخرى مختلفة يخوضها الفِلَسطيني في المهجر في شرحِ إجابته عن سؤالٍ عاديّ للآخرين؛ من أيِّ بَلدٍ أنت؟
مُضاعفةٌ هذه الحرب تصير حين يوجّهُ السؤال إلى فِلَسطينية.

**
سنستحقُ البلاد حين نتخفف من سطوة ذكورتنا على كلِّ شيء، وحين نوقنُّ أن المسيرة لا تكتمل بنا وحدنا، وأنَّ الأرض، ترابها وهواؤها وماؤها، لن يستقبلَنا كَمُحَررين..
دُونَهُنّ.

***

في نهاية الحكاية، حين نعود كلّنا، ستحضننا الأراضي الفِلسطينية، ولو لم توجد تاء التأنيث في فِلَسطين، لمّا اتسعت لنا جميعًا.