شابٌ في الطريق إلى القدس

  • مرام أبو عرقوب

في بلادنا نحن لا نختار أحاديثنا، تختارنا الأحاديث وتقودنا الأيادي، نحن لا نختار الحرب، هي تختارنا بكل ثقلها، وبكل خوائنا، لتحط في كل بيت، وتغرس فيه إما حزناً، أو تترك أُسَراً مليئة بالفقد،

فينبت فينا شكل آخر من الحكايات،  في بلادنا نحن لا نختار القتال، يختارنا الوطن لنكون جنوده، بحجر واحد فقط أو بكلمة تقال في مكانها، نحن الذين تعلمنا أن أثر الكلمة كأثر الرصاصة، وأن العزيمة سلاحنا الأكبر، كم من شباب صغار استطاعوا أن يتركوا خلفهم تاريخاً نضالياً مؤثراً ومشرفاً، وكم من فتى قاد حواراً جميلاً استحق اعجاب وثقة كل من استمع إليه.

 

الطريق من الخليل إلى جامعة القدس قد تستغرق ساعة إن لم تسقط العقارب على معصميك، وقد تستغرق حواراً واحداً عميقاً. مثل كل المرات التي أجلس في الجهة اليسرى من السيارة جلست تلك المرة أيضاً، ودائما ما أختار تلك الجهة حتى أتمكن من رؤية قبة الصخرة قبيل واد النار بمسافة قصيرة، أراقب القبة المتوهجة عن بعد مسافة كبيرة وأفكر بالتاريخ الذي مر عليها والأمم التي شهدتها، وظلت محافظة على لمعناها وحكاياتها، يخرج من كل الطريق شاب بروح  لطيفة، يراقب الطريق كما أراقبها أنا، لما اقتربت السيارة من تلك المنطقة كعادتي بدأت ألتفت يسارا، كانت مقاعد السيارة قصيرة بحيث يمكنني رؤية الركاب أمامي، والشاب ينظر لتلك الجهة أيضاً، لما اختفت القبة عن مستوى نظري، أدرت وجهي، وإذ به يلف ظهره حتى يستطيع الرؤية أكثر، كان يبتسم ابتسامة خفيفة، كأني رأيت في عينيه المراقِبة وابتسامته حباً جميلاً للأقصى، فرحت من قلبي وحدثت نفسي بذلك الحب الكبير الذي نحمله لهذه البلاد بحجم الخراب فيها.

بعد أقل من خمسين متراً كان هناك مجموعة من الشبان يوزعون أعلام فلسطين على السيارات المارة، سائق السيارة التي كنا نستقلها، بدا أنه في أواخر الأربعين من عمره، لم يتوقف وقال " لا أريد فلسطين ولا أريد علمها" ، فيجعلني أتساءل عن القيمة التي يعنيها الوطن لمن لم تسلب أرضه بسبب تقسيم المناطق، ولمن خسر شهيدا أو أسيراً، أو جرح جسده، ثم بدأ الشاب بالحديث موجها الكلام للسائق:" نحن من أضعنا البلاد بهذا الكلام، من لا يحترم العلم لا يحترم البلد"، رد السائق بعنف رافعاً صوته:" شو بدنا في العلم يا عمي ما البلاد رايحة"، الشاب أيضا احتد صوته: "اللي ما بحترم العلم ما بستحق البلد، واثنين أو ثلاث زي تفكيرك بأثروا على الناس حواليهم وبتروح الأرض، هالأرض النا، والعلم النا" أجل، هذه البلاد كل البلاد لنا، بكل هزائمها تخصنا، وبكل تاريخها العظيم تعود لنا، ثم أكمل الشاب حديثه.

أنا حقيقة لم أستمع لباقي الكلام مع أني تمنيت أن أفعل، لكن عقلي أخذني لكلمات الشاب، للبيوت المهدمة والقلوب المثقوبة، للحكايات التي ظلت ناقصة وللأسرى الذين لن يروا ضوء الشمس، هذا الشاب خلال أقل من خمس دقائق حاز على  إعجاب كل من في السيارة، نظرة الشاب للصوت والحق والكلمة كانت عميقة جداً، فكرت بصدق روحه الذي طمأن الكثيرين،  لازال فوق الأرض من يستحقها ولو بفكرته وصوته، ليس عمره السبب، ولا شكله، ولا نسبه ولا حتى مستواه التعليمي، كانت الروح ولا أعمق من ذلك، قطعة القماش تلك كانت رمزاً لكل الأشياء التي مرت  أرضنا بها، قبل أن تشوهه التقسيمات المزعومة.

اقتربنا من الجامعة والجدار الفاصل يتزاحم في المساحة مع الطريق، مليء بالرسومات والكتابات، أراقبه في اللحظات التي يمر السائق بجواره وأتساءل: بماذا يفكر ذلك الشاب الآن؟