لا بديل.. لا عوض

  • سراء داود

لاحظت أن الآراء الخارجية حولَ وجودنا في دولة محتلة لم تعُد كما كانت قبلَ عشر سنوات، بوصفنا بأننا "لا نعيش في حرب"،

رُغم عدم اختلاف أيّ شيء، ورغم وجود ذات المُحتل ومع اجراءات صارمة أكثر في هذا الروتين المَقيت اليوميّ.

 

يظن المُعظم أن عَيشك على هذا الحال هو تحصيل حاصِل، وأن عدم قدرتك على تغيير هذا الروتين الكَريه هو أمر قد اعتدتَ عليه، ولا يحق لك التأفُّف من هذا الوضع الذي وُضعت فيه رغماً عنك.

هل يعلمون أن هنالك ما بين آلاف الأسرى الذين ضحّوا ووهبوا سنوات من أعمارهم ما يزيد عن ١٠٠٠ أسير داخل زنازين الإحتلال، يُمضون السنوات بما يُطلق عليه " الحكم الإداري"، وهو عبارة عن إطلاق حكم دون أيّ مسوّغ قانوني وبدون توجيه أي تهمة، أو لائحة اتّهام وذلك نظراً لعدم وجود أو نقص أدلة ضد أسيرنا المتهم، وهو ما يَتَنافى مع أي قانون إنسانيّ في العالم، ويعود ذلك الى مزاجية ضابط المخابرات الاسرائيلي، لأنك قد تشكّل خطراً على أمن المنطقة بدون إبداء الأسباب.. تخيّل أن تعيش حياتك داخل الأسر دون أن تعلم ما هو المبرّر السليم لوجودك في هذا المكان، وأن تنتظر أي حكم ليصدر بحقك حتى لو كان ظُلماً، فقط لتكون على يقين من انتهاء هذا الكابوس.

أما بالنسبة لقراراتنا الشخصيّة اليوميّة بالنسبة للبعض، فهي مرتبطة بمزاجية جنديّ آخر يقبع في حاجز عسكري تمرّ منه مُجبراً لتصل إلى وجهة أخرى في بلدك، ولكن يقضي هذا الجندي بأوامره المعتادة في لحظتِها، أن يُنغِّص عليك يومك، لتعود أدراجكَ خائِباً، وتلعن قرارك في الخروج في ذلك اليوم.

بعيداً عن درجات الترفيه التي لو بلغت أقصاها فستكون الحصول على "تصريح"، لتستمتع لمدة محدودة، في أرض هي بالأساس لك لكنك تكاد تُقنع نفسَكَ أن الحصول على مثل هذه الأرض هي رفاهية بعيدة المَنال، ناهيكَ عن الخوف والرعب الذي ممكن ان يصيبك في حال حصلت شكوك بأن نيّتك هي ليست الترفيه عن نفسك البائِسة.

لن أُبالغ لو قلت أن كل فلسطيني يعيش خارج أرضها، ويود زيارة عائلته يحتاج الى تخطيط عدّة أيام وليالي ليستطيع شحن طاقَته للمرور من عدّة عَقَبات يعرفها كل فلسطيني، ليصل بعدها مُتهالكاً ومُتعباً، حالماً بوجود مطار يريحه من كل هذه الأعباء البغيضة.

هل يعلمون أن فَرَحنا بأشياء مربوطة بوطنيّتنا تدل على بساطتنا المعهودة، وكم تؤثر فينا لحظات عابرة كمشاهدة ڤيديو لمّ الشمل لبعض العائلات، أو انبعاث الأدرينالين فينا حين هرب الأسرى الستّة والفرحة الطفولية التي أصابتنا في لحظتها، بالرغم من الخيبة التي لحقتها بعد اعتقالهم....أو فخرنا كلما حظِيَ فلسطينيّ بجائزة أو بمديح يُشبع وطنيتنا.

عدم وجود "حرب طاحنة" كما يتصوّرها البعض ليست دليل على عدم حصول مواجهات أو اعتقالات أو حصارات، الحرب هي ليست قرينة بالأسلحة والدماء والغُبار والدمار والخنادق، الحرب هي باختصار وجودكَ في نفس المكان بالرغم من الأزمنة المُتباينة، وشعوركَ بالعجز أمام كل ما يحصل حولك، وخوفُك الدائم من فقدان وطنك ومأواك الذي وُلدت فيه وعشت فيه، ورغم كل الظروف الرّاهنة والظروف التي طوتها السنوات السابقة، إلا أنك لا تريد بديل أو عَوَضا عن هذه الأرض.

أرشيف فلسطين الشباب