نطف مهربة: من الإنتظار إلى الأبدية

  • ثريا أمين موسى عرار

تعد ملحمة جلجامش الرافدية ، أهم وأكمل عمل إبداعي أسطوري شعري، كتبت سطوره منذ العهد السومري عن الملك جلجامش

الذي عاش في مدينة أوروك ، وسعيه المستميت إلى معرفة سر الحياة الخالدة ، والتي تلخص واقع الإنسان ومشكلاته الأبدية ، التي يتمحور حولها السؤال الأزلي ما الغاية من الحياة ، حين جَزَع جلجامش بعد موت صديقه الحميم أنكيدو، انتابه شعور ينتاب كل إنسان لدى فقدان عزيز عليه أما إطاحة جلجامش للأسوار الحصينة، ونزاله مع الثور السماوي الهائج، وصراعه مع الجنّي «خمبابا» الذي اعترض طريقه في غابة الأرز، إنمّا ترمز إلى هدم الإنسان للحواجز التي تعيق تواصله مع أخيه الإنسان، وإلى الصراع بين الخير والشر

 

منذ الأزل والإنسان يبحث عن الخلود ، ويسعى إلى الاطاحة بالحواجز التي تعترض طريقه ، جاء هذا العمل  والذي تضمن ثلاث لوحات في لوحة واحدة تحمل في طياتها مجموعة من الأفكار أعدها الفنان الفلسطيني عبد الإله دراغمة عام 2019 بعنوان  تهريب ، والتي تتحدث عن النطف المهربة من داخل سجون الاحتلال لتجيب عن تساؤلات الكثيرين لماذا اختار الفنان الأجنة  في لوحاته ؟ هل من الممكن تهريب نطفة ؟ هل تتكون الأسرة وأحد أعمدتها محكوم عليه بالسجن المؤبد أو عدة مؤبدات ؟  هل تولد الحياة من العتمة؟

يبين علماء النفس أن ثمة علاقة بين الموضوع والإبداع الفني ، بدليل أن اختيار الفنان لموضوعاته يكاد يكشف لنا عن طبيعة شخصيته  ونستطيع أن نتعرف على شخصية الفنان من أسلوبه في اختيار موضوعاته ( 1)

فالموضوع ما هو إلا مناسبة عارضة يختارها الفنان أو ذريعة خاصة يصطنعها اصطناعاً  والحقيقة أن تتكرر موضوعات بعينها لدى فنان بعينه ليس أمراً عارضاً يحدث من قبيل الصدفة وإنما هو ظاهرة نفسية لا بد من أن تكون لها دلالاتها في نظر الباحث السيكولوجي الذي يهتم بدراسة عوامل الإبداع الفني(2) .

فموضوعات الفنان يغلب عليها وجود الأجنة وخاصة في لوحة جدار المشيمة وهي تتكون من شريط  عريض يتضمن مقطع لمجموعة من الأجنة ويغلب على اللوحة اللون الأحمر، ولوحة أخرى بعنوان من أجل الحياة والتي وضع فيها الجنين داخل مصباح، ولوحة الولادة من الموت ، ولوحة مي وملح والتي عبرت عن إضراب الأسرى الفلسطينيين عن الطعام واكتفائهم بتناول الماء والملح فقط .

هذه اللوحات تركز على الجانب الإنساني أكثر منه سياسياً، لوحات تتعلق بالإنسان بالدرجة الأولى، أن فكرة تهريب النطف جاءت من الأحكام المؤبدة التي يفرضها الاحتلال على الأسرى الشباب المتزوجون في سجونها، أما عن اللوحات الثلاث  (تهريب) استخدم الفنان الألوان الزيتية على القماش واختار اللون الأسود خلفية للوحاته الثلاث حيث أن تهريب النطف يحصل بالخفاء أو في الظلام .

وكانت اللوحة الأولى تتكون من إشارة التحميل الموجودة على الحواسيب أو الهواتف النقالة شارة الإنتظار وتعني الانتظار، والمكونة من ست نقاط تتوسط اللوحة وكانت البداية فيها للنقطة البيضاء والتي وجدت بالأسفل إلى اليمين ومن ثم تناغم اللون الأبيض بعد أن امتزج باللون الأسود ليصبح رماديا ويتكرر الرمادي ولكن بقتامة أكبر ما بعد النقطة الثالثة إلى أن يختفي مع الأسود وهو اللون السائد في الخلفية، وربما اختار الفنان النقطة لتكون البداية، وهي أبسط عناصر العمل الفني و أينما وجدت لا تعبر إلا عن مجرد تحديد مكاني، ورغم ذلك فهي تثير في الرائي احساساً بميلها إلى الحركة، وهذا يثير نشاطاً حركياً لا يقتصر على المكان الذي حددته النقطة بل يمتد إلى ما يجاورها من فراغ (3).

وإذا تجاورت نقطتان فإن في ذلك تحديداً لبعد بينهما وتحديداً لاتجاه معين هو ذاك الذي يقرره الخط الوهمي الواصل بينهما، وفي هذا إثارة لتوتر يشغل كل المسافة الفاصلة بينهما ( 4)، فبإمعان النظر للنقاط الست فالعين تدركها معاً تسير في مسار دائري فالقوى الحركية الكامنة في هذه النقاط تثير التوتر في نفس الرائي فيجعله ينساق لميل لا شعوري للوصل بينها وهذا الشعور بالميل إلى التتمة أو الاستمرارية أو الإكمال .

كناية عن الانتظار والترقب لما سيحدث والمبني على تساؤلات لدى كليهما حول نجاح التهريب أو الإخفاق، والذي هو بمثابة مركز الاهتمام للأسير والمرأة الأم ولذويهم،  ركز الفنان على معاناة المرأة الأم، لم يكن الأسير لوحده الذي يخوض هذه المعاناة فقط وإنما المرأة كذلك وهي التي ستواجه المجتمع بهذه النطفة والتي ستصبح مولوداً فيما بعد   .

تناول في اللوحة الثانية الصورة التي يظهرها جهاز السوناروهو جهاز تصوير بالأشعة فوق الصوتية  يمكنه التقاط صور حية لداخل جسم الإنسان ، والذي امتاز بعدم استعمال أي نوع من الإشعاعات خلال التصوير، بعكس جميع وسائل التصوير الطبي الأخرى، ومن هنا جاء تفرده بتصوير الجنين خلال الحمل  ،  لماذا اظهر الفنان صورة لرحم المرأة يحوي مجموعة من الأكياس أو الأغلفة !:
بالعادة تكون في داخل رحم المرأة صورة الجنين وهنا وضع الفنان  أغلفة رقائق البطاطا وربما مغلفات السكاكر، والتي غلفت بها زوجات الأسرى ماء أزواجهن و تمثلت في خطوطها الحادة والرفيعة والمائلة والمنكسرة، حيث وضعها الفنان ضمن المشهد كيس بداخل كيس بلاستيكي آخر، لو تساءلنا ما الصوت الذي تصدره تلك الأكياس داخل الرحم ؟ ولماذا كانت داخل الرحم ؟ ربما أراد الفنان إبراز عمق المعاناة والصعوبة التي يمر بها خروج هذه النطفة من الأسر إلى الحرية، حيث من العدم أو من مخلفات الأغلفة  تخرج حياة !.

خاصة وأن  تهريب السائل المنوي من السجون الإسرائيلية، أعقد بكثير من تهريب الرسائل عبر الكبسولات المضغوطة التي يبتلعها السجين، لاسيما وأن الحيوانات المنوية القادرة على التلقيح، تقدر على العيش لبضع ساعات أو يوم كامل لا أكثر (5)

وتجمع معظم المصادر الفلسطينية على أن فكرة "النطفة المحررة الأولى"، تعود للأسير الفلسطيني عمار الزبن، الذي رزق بابن لقبه الفلسطينيون بـ"سفير الحرية"، فيما يعود الفضل في زرع "النطفة المحررة الأولى" إلى الدكتور سالم خيزران مدير مركز "رزان لأطفال الأنابيب" في نابلس (6)

التجربة الأولى الناجحة لدلال الربايعة زوجة الأسير عمار الزبن جاءت بعد أن استطاعت الزوجة الترويج لها بالتدريج في الأوساط المحيطة بها من عائلة وأقارب وجيران إلى أن أصبح الأمر مطلب الجميع، وشكلوا دافعا كبيرا لدلال من أجل التطبيق، واستمرت عملية التمهيد والترويج من عام 2007 إلى 2010، وفي 2011

كان لا بد على الأسير الزبن البحث عن حل لهذا الحصار المفروض عليهم، فلجأ إلى حيلة جديدة تمثلت في تهريب النطفة عبر حبة التمر من خلال وضعها في كيس صغير بدلا من النوى، وهي إحدى طرق تهريب النطف، إلى أن وصلت إلى المركز وجرى فحصها، فوجدوا أنها ما زالت صالحة للاستخدام (7) ، نجح تهريب النطفة، إلى أن ولدت في أغسطس 2012

الفنان كسر هذه القيود ،كما هو الأسير الفنان هنا ينظر بعين على الفن وبالأخرى على الحياة .

اللوحة الثالثة العدسة المكبرة التي تكبر المشهد وتؤكد عليه  وهو حقن البويضة تتمحور حول  نتيجة التهريب وهي مكونة من بقعة ضوء وخطوط دائرية المنحني خط اللطافة الذي استخدمه واطو وخط الجمال لدى هوجارث وهو خط الحركة التي تبرز بلا تكلف أو جهد ( 8) دائرياً يوحي بالأبدية والخلود، سوف يستمر هذا العمل خاصة وأن نجاحة له احتمالات الفشل أو النجاح ولكن الاستمرارية تعني الصمود والتحدي وهنا تكمن الفكرة من بقعة الضوء ألا وهي الحياة و الحرية .

إن ألوان اللوحة المحايدة الممزوجة بالأزرق والتي تضخم المشهد وتظهر برودة زرقاء داخل العدسة ، في هذه اللوحة ظهر اللون الأبيض وهو لون يجمع جميع الألوان وهذا اللون يستخدم للتعبير عن النصر والطهارة والفرح ويوحي بالغبطة والسلام ومعناه باليونانية السعادة والمرح (9)

أما الأسود لون البؤس والتشاؤم والحداد وعندما يختلط الأبيض مع الأسود يتمتع العمل بالجدية التي تعطيه قيمة عالية، لو تطرقنا للوحة جورنيكا والتي تم بنائها بالرماديات المختلفة فلم يكن شغل الفنان الشاغل وهج اللون بقدر ما كان اهتمامه بالمأساة التي تحملها اللوحة (10)

"الشكل الكروي يعبر عن الكون والدائري يعبر عن الكون أيضا، والفكر المحض، فالشريعة هي المحيط ،الطريقة هي قطر الدائرة ،والحقيقة هي المركز "( 11 ) وهنا الحقيقة تكمن في تكرار واستمرارية البحث عن الخلود رغم جميع الصعاب .

ان الانتاج الفني يشبه  عملية الولادة، بمعنى أنه يستلزم التلقيح والحمل والحضانة، و هناك الكثير من التطورات البيولوجية التي تطرأ على المرأة أثناء الحمل دون أن تكون لها يد في حدوثها، و هناك كثيرا من الأحداث الباطنية التي تتحقق في أعماق نفس الفنان أثناء عملية الإبداع (12).

"الإنسان بذاته لا يستطيع أن يعيش خارج معاناته التاريخية والإنسانية، وليس بإمكانه أن يقبع بعيداً عن الحياة، أن ينحر وجوده، بل انه كإنسان يمارس النظر إلى جوهر الأشياء وأشكالها يبقى مرتبطاً بعالم معين وظروف اجتماعية وأخلاقية معينة، وهو يتجاوب ويتعاطف أو يتجادل مع هذه الظروف من خلال طريقته في العمل وهي الفن، وهو كمبدع يتجاوز المقلد ويتجاوز المكرر ويبحث عن صور جديدة ويكتشف صيغاً جديدة لما يعانيه وما يحدسه من الحياة" (13) فالفنان لا يبدع بلا تأمل أو ترو أو وتصميم .

 

المراجع:

ابراهيم ، زكريا، د،ت : مشكلات فلسفية 3 مشكلة الفن(ص34) مكتبة مصر . (2)

ابرهيم ، زكريا د،ت: مشكلات فلسفية 3 مشكلة الفن(ص34 مكتبة مصر .(1)

رياض، عبد الفتاح : التكوين في الفنون التشكيلية ،(ص58) ، دار النهضة العربية ،القاهرة ، (1983 (3)

رياض، عبد الفتاح : التكوين في الفنون التشكيلية،(ص58) ، دار النهضة العربية ،القاهرة ، (1983)(4)

https://qudsnet.com/post/381502/(6)(5)

https://qudsnet.com/post/381502/(6)

https://alresalah.ws/post/191848/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B/(7)

بهنسي ، عفيف (1997) النقد الفني وقراءة الصورة .القاهرة : دار الكتاب العربي . (8)

بهنسي ، عفيف (1997) النقد الفني وقراءة الصورة .القاهرة : دار الكتاب العربي .(9)

عبيد، كلود : الفن التشكيلي نقد الإبداع وإبداع النقد :دار الفكر اللبناني ،  ،ط 1، بيروت ،(2005)   (10)

بهنسي ، عفيف (1997) النقد الفني وقراءة الصورة .القاهرة : دار الكتاب العربي. (11)

 

ابراهيم ، زكريا : مشكلات فلسفية 3 مشكلة الفن مكتبة مصر . (12 )

بهنسي ، عفيف (1997) النقد الفني وقراءة الصورة .القاهرة : دار الكتاب العربي . (13)

أرشيف فلسطين الشباب