أشياء غير مرئية

  • سمر عبد الجابر

كنّا خارجين من محل التّصوير، حيث ذهبنا لإحضار كاميرته الّتي كانت معطّلة، حين قال لي:

"هل ترين عامود الكهرباء ذاك في الخلف؟

.. إنّه غير مرئي".. لم أفهم ما كان يقصد. ابتسمت. فأضاف: "لذلك لم أره حين كنت هنا منذ أسبوعين، و صدمته بالسيّارة. لا بدّ و أنّه غير مرئي". ضحكت.

 

حين صعدنا إلى السّيارة، كانت الحرارة مرتفعة قليلاً. أخذ يخبرني عمّا حدث بعد ذلك. كيف كان لا بدّ من أن يخسر يوم عطلته التالي لتصليح الضرر الّذي حدث للسيّارة.  كنت أستمع إليه، لكني كنت أفكّر بكلمة "غير مرئي". الحرارة غير مرئية، فكّرت. صوته غير مرئي. المشاعر غير مرئيّة. المشاعر أكثر أشياء الحياة تعقيداً. كيف تتكوّن بسهولةٍ شديدة و لكن يصعب التخلّص منها. كيف تتأثّر بشيء واحد أو بآلاف الأشياء في وقتٍ واحد. كيف يمكن أن تختبئ في مكانٍ ما غير مرئي. كيف تكون شديدة الحساسيّة و الجمال أو الحدّة و التعقيد و التناقض، كيف يمكن أن تكون على وشك الإنفجار، و مع ذلك تخبّأ في مكانٍ ما.. و تكون غير مرئيّة.

هواء المكيّف أشعرني بقشعريرةٍ خفيفة.

 

تناول كاميرته من الخلف و توجّهنا نحو السّوق القديم. كانت زيارتي الأولى للمكان. المحال متشابهة و الباعة متشابهون، و كلمة "كاشمير" تعاد كلّ بضعة ثوانٍ. قال لي أنّه لم يشتر شيئاً من هنا قط، و أنّه فقط يحضر أصدقاءه السيّاح عندما يزورون المدينة.

لم يأخذنا وقتٌ طويل حتّى انتهينا من الجولة. في طريق العودة، مررنا في زاروبٍ يقصّر المسافة إلى الخارج. كان ثمّة رائحة مألوفة، على الأرجح من محلّات البهارات القريبة. لوهلةٍ شعرت أنّي في مدينةٍ أخرى. كلّ المدن الّتي نمرّ بها تأخذ حيّزاً هادئاً في الذاكرة. لكنّ شيئاً ما يحرّكها، فنشعر في شارعٍ ما، و نحن ننظر إلى رصيف الطّريق، أو إلى شرفة منزل، أو إلى مقعدٍ في حديقة، نشعر أنّنا عدنا في الزّمن، لبضع ثوانٍ فقط، إلى مدينةٍ أخرى.

حين وصلنا إلى السيّارة، قلت له: "لم تستعمل الكاميرا. هل تستغلّها لتبدو سائحاً فقط؟".

 

كان ينتقل من موضوعٍ إلى آخر، بينما أشاركه الحديث باقتضاب. ينتقي موضوعاً بحسب اللّحظة الرّاهنة. نمرّ قرب مطعمٍ ما، فيخبرني شيئاً عنه. تمرّ سيّارةٌ بمحاذاتنا، فيدلي بتعليقٍ ما. أنا كنت في مكانٍ آخر.كان في رأسي عشرات الأحداث و الأشخاص و الأماكن.

ضمن حديثٍ ما، قال أنّ الحياة وجدت لنستمتع بها، و أن أولئك الّذين يعتقدون غير ذلك، يزاولون الحياة بطريقةٍ خاطئة. وافقته الرّأي.

كانت العتمة قد حلّت، فامتلأت المدينة بأضواء عواميد الإنارة. فكّرت كيف كانت ستبدو المدينة  لو اختفت كلّ هذه الأضواء. كانت المدينة رأسي في تلك اللّحظة، و انعكاسات الأضواء مئاتٍ من الأفكار.

أمام الإشارة الحمراء، وجد متّسعاً من الوقت لينظر إلى وجهي. سألني إن كنت على ما يرام.

أرشيف فلسطين الشباب