قبل ألف عام وعام
فاضل عزاوي

هجرة الشاعر

من وراء الزجاج الشفيف لنافذة الطائرة

شاهد الشاعر المصطفى

 

كل ما صنعته يداه قديما

يتبدد في الريح،

عاصفة تتعالى بأوراق أشجارها الهالكة

والمواكب في غيها

تتدافع طالعة من ضباب العصور ـ

بدويون من كل فج عميق،

سكارى بخمرة أسلافهم

تركوا في الصحارى جمالهم المنهكة

وأحاطوا بسور الزمان الجديد

موقدين مشاعل نيرانهم

فوق أعلى الصخور.

 

*

 

في ممر الغزاة القديم

قبل ألف عام وعام

ركعوا ساجدين، مقبلين الأرض ثلاثا،

معلنين الولاء

باكين ونادمين على عصيانهم الناموس المقدس

لاطمين صدورهم بالسلاسل

ساكبين دموعهم الوثنية المالحة

فوق وجوههم الكالحة

ليغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر

سوى أن المصطفى الذي كان قد رأى كل شيء

وخبر ما في السماوات وما في باطن الأرض

صم أذنيه عن وعودهم العاسلة

تاركا إياهم وراءه لطوفان نوح

الذي كان يعرف أنه آت

لا ريب فيه.

 

*

 

ثم

حين خفتت ضجة المشركين

وضاعت صرخاتهم في الهدير العظيم

لنفاثات البوينغ 707

وقفت المضيفة السكوتلاندية الشقراء

لتقدم عرضا سريعا عن تعاليم السلامة

حين تحل القيامة

يوم لا ينفع مال ولا بنون:

 

Please close your mobiles!

ثمة  أبواب للطوارئ على الجانبين

وأخرى تحت الجناحين

ولكن لا داعي للذعر،

ما دام الله معنا

ونحن نعبر بحر الظلمات

على الطائر الميمون.

 

شكرا لكم على اختياركم هذه الرحلة

من عاموراء إلى الجنة

British Airways

في خدمتكم

دائما.

 

برلين في أيلول (سبتمبر) 2011

ظلام معلب للمعذبين بالضوء

تحت الشجرة الوارفة

ليل كثير

أخفاه متعهدو الظلام

عن العيون

في مخابئ بأبواب من إسمنتٍ وحديد

يفتحونها حين يريدون

محتاطين لتقلبات الأسعار

آملين بتجارة رابحة

حين يطول اليوم

إلى الأبد

فلا يكون ثمة سوى الضوء

ضوء شمسنا التي لا تغيب

مهما تلبدت السماء

بالغيوم.

 

في الأسواق العامة

رأيتهم يطوفون جيئة وذهابا

معلنين عن بضاعتهم

على رؤوس الأشهاد:

 

تــنـزيلات كبـيـرة

 

* 2/1 كيلو عتمة معلبة في قوارير من فضة

للعشاق الساهرين تحت الشرفات

في مسرحيات شكسبير الغرامية

 

* مغاور ليلية في جبل قاف الأسطوري

لخفافيش العالم العمياء

* أطنان من ظلام مضغوط

في مستودعات تحت ـ أرضية

لسدنة العصور الحجرية

حين يطلون برؤوسهم

من مستنقعات الماضي الآسن

في إرم ذات العماد

 

* عبوات دكنة سائلة في حاويات طبية صغيرة

تقطر في العيون

للنوم السعيد في بيت الأشباح

 

لأحبط مساعيهم الشريرة

أقرر أن أدرب نفسي على اليوغا:

أضع رأسي على الوسادة

وأنام مفتوح العينين

في الضوء.

برلين في  7 ـ 18/11/2011

شاهد على الجريمة

حينما سمعتُ الرصاص يلعلع في الساحة الخلفية

وصافرات سيارات الشرطة تدوي بجنون

هرعت إلى شرفة بيتي
في الطابق الخامس
في شارع البحيرة البيضاء

لأرى ما يحدث في العالم السفلي

تحتي.

 

كان ثمة من يطلق الرصاص من بندقية رشاشة

أسندها إلى كتفه

محتميا بشجرة زيزفون في الخريف

تتبول تحت جذعها الكلاب أحيانا

حين تخرج للنزهة

مع أربابها

لذلك رحت أولول مذعورا

باحثا عن هاتفي الجوال

لأبلغ الشرطة بالجريمة.

 

"هؤلاء القتلة الأوباش لا يكفون عن إرهابنا!"

لكن زوجتي ضحكت قائلة

وهي تعد شاي الفطور:

"لا تقلق يا عزيزي، إنهم يصورون فيلما بوليسيا

تدور أحداثه في حارتنا.

لقد أعلنوا عن ذلك قبل أسبوع مضى

في لوحة الإعلانات "

 

إنخفض ضغطي ثانية

حين رأيت القتلى ينهضون من موتهم بالفعل

قمصانهم ملطخة بالدم

فيما كان رجل العصابة المجرم يدخن بانتشاء

متجها إلى الحانوت السفري

ليشرب كاسأ من الجعة.

 

على الدكة عند حافة السياج

جلس بضعة مهاجرين روسيين

يلعبون الشطرنج

كالعادة.

 

برلين في  19/11/ 2011

 

 

عالم في أحسن تقويم

 

 

أيها الله العظيم

أنت تعرف كم من الكوارث والمحن

حلت بعبدك الفقير فاضل حتى الآن

وهو يصطلي في الجحيم

كم من سفينة غرقت في العاصفة

فلم يُعثر لها على أثر

كم من قرية أهلكها الزلزال

بلا رحمة

فيما ظل الفاعل مجهول الهوية دائما

في سجلات الشرطة النائمين على الجرائم

كم حربا نشبت هنا او هناك

كم برج بابل هدمه البرابرة

بدم بارد

وكم كان يمكن لي أن أعيش

في سلام ودعة

لولا ضربات القدر الغاشم

وحماقات البشر الفانين

حيث يتسابق الجميع إلى الهاوية

في اولمبياد لا أحد يعرف لماذا؟ وكيف؟

لذلك

إذا ما أردت أن تخلق العالم ثانية

ذات يوم من جديد

في أحسن تقويم

فلا تنس أن تستشيرني أنا أيضا

أرجوك.

*

من بعيد

أسمع الملايين تهتف صاخبة

في الشوارع:

"الشعب يريد تغيير الكرة الأرضية".

 

برلين في 21/11/2011

 

 

*فاضل العزاوي شاعر وروائي ومترجم عراقي ولد في كركوك في العراق عام 1940. حصل على بكلوريوس في اللغة الإنكليزية من جامعة بغداد عام 1966 ثم سافر إلى ألمانيا ليحصل على الدكتوراه من جامعة لايبتزغحول (المشاكل الرئيسية لتطوير الثقافة العربي). وهو واحد من مؤسسي "جماعة كركوك" التي اهتمت بالحداثة الفنية والأدبية وركزت على قصيدة النثر في ستينيات القرن الماضي، والتي ضمت وقتها أسماء عراقية لافتة مثل الشاعر سركون بولص و والشاعر جان دمو.

*النصوص من موقع كيكا الإلكتروني

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.