لغة الحافة و سكان السياج
دعاء حسونة

ماذا الآن، في المكان الغريب، والغرباء والغربة..

كيف نكتب عن ما لا يكتب عنه، عن ما لم نقرأ عنه يوما،

عن ضجيج لابد منه، عن محاولات للتواطؤ الداخلي على الخارج، في صد هجوم الخارجي على الداخل، وفي محاولة أخيرة بائسة وسخيفة لإدراك عدم انفصال كليهما عن بعض ، وعن سخافة المحاولات كبداية ؟!

 

ماذا الآن، أقصد في بيئة مختلفة لاختبار الروح، الروح التي لا تُختبر والتي لا يُعبر عنها، لمساءلة القلب عن أحوال القلب. لرؤية العين من خارجها. لتفحص أحلام يضيع أغلبها  في يقظة الغرباء المحيطين.

وماذا عن سكان الحافة.. الراقصون على حدود الأشياء؟

حين ترقص وحدك فوق حبل رفيع من التناقضات بين عالمين؛ أحدهما المألوف والآخر شيء يشبه صورة أو ذاكرة أفلاطونية عن زمن ربما عرفته وربما توهمت أنك عرفته. (وأن تقتبس كاتبا هنا يدعى حسين وتذكره كلما هبت ريح طفيفة وتأرجح الحبل تحت أقدامك، أو حين تفاجئك وردة من طين على حافة السياج وتغريك بانزلاق سهل أو بسقوط مروع).

تسكن على الحافة، أسفلك واد سحيق، لا ترى من مكانك فيه سوى الضباب، وعلى الجانب الآمن ترى غزلانا مملة وعصافير تخشى البلل، فتسألك نفسك:

ماذا عن السياج؟ ماذا عن الخيط المتناهي في الحدة، والذي يخفي نهايته داخل وهم في رأسك!

***

هي تعيش على سياج الوهم، امرأة تبني من عقدها حبلا أسمك، تحاول الرقص أحيانا، تتهادى أخرى، ترتخي وتسهو كثيرا، تحاول البحث عن تلك النقطة، نقطة الضوء التي تعيد ترتيب عالمها.. مركزها المفقود..  جنتها التي ستزرعها قريبا من الداخل خروجا إلى كون أنيق. من قال أنها خائفة الآن !؟

نعرف! وهي كذلك.. أنها خائفة وممتلئة بالعقد والمسافات غير المنتهية والتماثيل التي يستحيل أن يقدسها أحد، كلنا نعرف أنها مشلولة وترقص، ومنفية في نفسها داخل شيء فقد صلابته يدعى الوطن، وأنها تنسى كثيرا  وتسهو وتمشي كالعرجاء على حواف الأشياء والأحاديث والناس، ونعرف، أنها تعرف عن هشاشتها وطواحين الهواء التي يخبؤها ذئب في داخلها، وتشعر بالريح تضرب مياها في داخلها لم تكن تدري بوجودها.

منتزعة تماما من الأرض، حرة من نفسها ومن غيرها، لأنها سجينة ما برأسها عن الحرية، تعتقد، تعتقد كثيرا أنها فقدت الاعتقاد، وتحاول، تحاول جاهدة، أحيانا، وأحيانا تحاول بتعاسة تفوق الحد، أن تجد تلك النقطة، نقطة الضوء التي ستوازن عالما هائجا ومضطربا ومشتتا على حواف عائمة في ماء منسي.

تحاول أن تحكي، الكلام العادي أقصد، كلام الآخرين، كلام الجانب المألوف، والغزالان المملة، تفشل، يخرج صوتها نزقا وبه ثقوب وهراءات ورائحة تشبه آخر الأسماك في سوق يوم تموزي، تسكت. تحاول السكوت أكثر. ثم تحاول أن تحكي مجددا، عن لغة الروح، عن نقطة الضوء، عن الأحلام والهلوسات والعوالم المسيجة بالتعاويذ والخرافات المرادفة للحقيقة، يخرج صوتها كالحا، مسطحا، وهميا وبه ألوان لم تعرف عن وجودها سابقا وتمقتها، تسكت. تحاول أن تسكت أكثر، أن تخرس أصواتا في رأسها، أن تكسر صورا وتشابيه لا داعي لها الآن، أن تكون لا شيء، أو شيئا بسيطا على الأقل، ولكنها متشنجة، أطرافها تبدو منفصلة عن قلب نسي مركزه وتاه.

تتذكر لغة الحافة! المواربة والصقيع، الكلام المقطوع من نصفه، الحوارية التي لا تقود لشيء معين، الالتفاف حول المعنى لوصوله بشكل أسرع، والإحاطة بوميض سريع لفكرة موحى بها، ويستحيل أن تعاد، تحاول أن تحكي لغة الحافة ، لغة السياج الذي يقبع بداخلها وتمشي عليه، تفشل أكثر، تفشل كثيرا، لقد فقدت اللغة موقعها، صارت تقيم في داخلها حدودا أكثر، مقاطع مقسمة من أزمنة لا علاقة لها ببعضها البعض، رأسها لا يؤلمها كما في السابق، هو فقط متشنج في حلقة تدور، دائرة داخل دائرة داخلها دائرة في داخلها الوهم. تعبد الوهم، تصلي له، ولا تعرف، لغة الحافة أصبحت أكثر شراسة ولم تعد في متناول القلب، قلبها المشتت على حواف أكثر من رمال في حديقة روضتها القديمة، وأحلامها  تنفصل عنها لحظة اليقظة، تضيع منها ولكن يبقى طيف دبق يطارد وعيها في كل دقيقة من الأيام الطويلة.

هي الآن لا تعرف، تحاول الانفصال عن الخارج وعن الداخل في ذات اللحظة، تحاول أو ترمي بنفسها وتمارس السقوط الحر وهي في مكانها، من داخل السياج، لا تريد أن تقع عن الهاوية، ولا تريد دخول الجانب الآمن والغزلان، أو ربما  لا تقدر.

هي الآن صامتة. في آخر الوقت رأت صورا من أحلامها معلقة على شاشة من الضوء تسقط على حائط حوله الغرباء وخرسها، وعدم تمركزها، وسيولتها في الوقت والناس والأشياء. تحاول النهوض، تحاول التخلي، التخلي تماما عن نفسها وعن الأفكار، إنها تحاول، ونعرف.. هي كذلك ستعرف، أنها ستفشل ربما.

لكنها في هذه اللحظة تشعر بسعادة تشبه سعادة أهل الحافة، ستحاول الطيران، أو الرقص، هي الآن تعترف بموقعها، تحتضن كونها، وبأنها من الممكن أن تفقد موقعها في أي لحظة لأنها لم تمتلكه أصلا، هي تعرف أنها لا تعرف، هي تتوهم، وتعرف ذلك، تدرك الخوازيق والثقوب في داخلها، وتفكر.. ربما جميعهم من سكان السياج، أقصد جميعنا هنا، أقصد الغرباء، سياجيون، لكن لكل منا لغة تشبه سياجه، وربما، أقول ربما، أسيجة البعض لديها علاقات مع أسيجة أخرى، ربما أنا كذلك، أحيانا أفهم لغة من سياج قريب، ربما.. وأشعر!

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.