حرب "البورنو غراف" في حارتنا
أيمن حسونة

نحنُ نتيجة طفولتنا، نتيجة تجاربنا، نتيجة تراكم الأحداث التي اقترفناها يومَ كُنّا صغاراً.

ما الذي كَبُرَ فينا؟

حين تمرُ الأيام سريعة، متشابهة، لا طعمَ لها، ما الذي سيقنعنا أننا كنّا صغاراً لولا ما ترميه الذاكرة من أحداث؟ وما الذي سيجعلنا نبتسم عندما نعدُ التجاعيد التي تظهر مع كلِّ ضحكة؟

 

هي هذه القصص التي نخزنها لعشرات السنين، ثم تأتي تلك اللحظة لتهرب أمامنا كالأطفال، فنضحك كثيراً، كما سنضحكُ أخيراً!

كان أقصى ما يستطيع المراهق الحصول عليه في تلك الأيام، نصف صفحة من مجلة، الصورة غير مكتملة، وتترك الباقي لخيال الزبون ليكملها، لم تكن الوسائل المتاحة حالياً، انترنت، أقراص مدمجة، ذاكرة محمولة، هواتف ذكية، من دائرة المتوقع في عقولنا، فلم نكن نتوقع أن تجارتنا من الممكن أن تشهد ضربة قاصمة فورَ ظهور ما عُرف وقتها بالـ CD.

كانت منطقة نفوذنا تقع ما بين الحي المتفرع من "دوار فراس" في جبل الحسين، إلى الشارع المحاذي للمخيم، مخيم الحسين بالطبع، الذي كان تحت سيطرة تاجر آخر، يعرفنا ونعرفه، نتبادلُ إحتراماً شديداً يمتدُ إلى قطع أي محاولة لدخول "مورد" آخر سواء لمنطقتنا أو لمنطقته.

في تلك الأيام، بالتحديد التي امتدت ما بين 1993 و 1998، وهي التي شهدت "اتفاقيات السلام" بين الأردن، منظمة التحرير، و "اسرائيل"، كانت المواد الأولية تصلنا من غرب النهر، من مصادر موثوقة وخبيرة في التهريب، وكنّا ننتظرُ أيَّ مسافر قادم عبر الجسر لنأخذ منه ما وعدنا زبائننا، بأنَّ مواداً أجمل، في الطريق.

كما خططنا، كنّا الأجدر بالحصول على حصّة الأسد من سوق "البورنوغراف"، بيع، شراء، تبديل، رهونات، عقود بيع مستقبليه، عقود شراء بالآجل، لم نكن نفهم أنَّ هذه هي ذاتها طرق عمل الرأسمالية، كنا نمارسها بدافع الهواية، ثمّ درسنا قواعدها بعدَ خمسة عشرَ سنة كاملة.

ثمَّ إشتعلت الحرب.

كانت الشرارة الأولى دخولُ مورد جديد على "الصنعة"، وبطبيعة الحال، لم نقبلُ نحن؛ الأخوين "ح" ولا تاجرُ المخيم الوضع الجديد، إدّخرنا كل جهودنا لمحاربتهم، وليد وليث، التجّار الجدد في سوق "البورنوغراف".

الحارة التي كانت ملكنا، وتحتَ سيطرتنا تقسّمت، خسرنا زبائننا، فقدنا ولائهم، مصادر التمويل تقلصت، وشيئاً فشيئاً، اقترب الخطر. كُنّا تعاهدنا دونَ أن نلتقي أو نتفق، أنه برغم كل ما يحفُّ تجارتنا من مخاطر، فإننا لن نقوم بإبلاغ أهلنا - وهو الأمر الذي "سيقصفُ أعمارنا" حينها – فاستعرت الحرب. لم ندّخر شيئاً إلاّ واقترفناه، الحرب خدعة ومكر، هكذا تعلمنا، وأن تقاتل لأجل وجودك، حتى لو كان هدفك غير سامٍ، فهو قتال شريف، مباحٌ فيه كلُّ أنواع الخُدع والحيل، فلم نكن مستعدين أن نخسر ولو جزءا بسيطاً من تجارتنا، نحنُ الأخوين "ح".

الموردون الجدد، هكذا أطلقنا عليهم، تحالفنا مع غريمنا، وتحالفنا مع الشياطين كي نطردهم ونكسر شوكتهم، كانت ميزتنا أنَّ لنا قناةُ توريد مستمرة، وكانت ميزتهم أنهم الأحدث. أضفنا خدمة جديدة، خدمة التوصيل للمكان المتفق عليه، دنانير بسيطة – الدينار كان بوزن عشرة وقتها – وتصلُ مجموعة الصور للزبون، أينما كان ضمن جغرافية محددة، مخبئنا السرّي كان الماسورة المفرغة تحت مقعد الدراجة الهوائية في حالات التوصيل، أمّا المستودع فقد كانَ ثقبٌ افقي في "الفرشة" الموجودة في مخزن الأغراض القديمة في باحة المنزل.

معركةٌ ستفضي إلى احتلال مكاننا، هكذا أخذناها، معركةٌ ستثبتُ حقّنا، وحرصنا الشديد على إرضاء زبائننا، كان أقصى ما نرجوه هو أن نحرق مخزونهم من الصور والفيديوهات، لم نكن نطمحُ لأكثر من ذلك، فبمجرد سلبهم هذا، سنصيرُ نحنُ الأسياد. نضعُ المخططَ ليلاً كي ننفذهُ نهاراً، ونجتمعُ نهاراً لننفذَ المخططات الليلة، حركتنا سريعة، خاطفة، اتبّعنا منهج "الحشاشين" – لم نكن نعرفهم أيضاً إلاّ أنها غريزة بشرية على ما يبدو – في الضرب والهرب كي نحقق أكبر خسائر بأعداء اليوم، زبائن الأمس، وكي نجعلهم عبرةً لمن تراوده نفسه باقتحام منطقتنا.

كنّا أنا و أخي، نستحضرُ كلَّ ما خزّنتهُ ذاكرتنا من أفلامٍ بوليسية كي ننتصر، نحنُ تجّار "البورنوغراف" لنا مكانتنا بينَ مراهقي الحارة، وكانَ السلامُ قبلَ الكلام نجده من أي زبونٍ نقابلهُ في الطريق. كانَ أخي المسؤول عن القص واللصق والتجميع، وكنتُ المخططُ لعمليات التهريب و التسليم.. والربحُ مناصفة. في وقتِ الحروب، تنسى مكانتك، فتصيرُ جندياً في الصف الأول وتحاربُ بيدك.

التكتيك الأول الذي استخدمناه كان تجنيدُ الزبائن للطعن في مصداقية الطرف الآخر، فصرنا نصدرُ الإشاعات عن مصادرهم، وعن الدعم المشبوه الذي يتلقونه، فلم تُجدِ نفعاً، تكتيكٌ آخر كان تسريب الأخبار عن فقدانهم لمخزونهم، وآخرٌ عن انسحابهم من المعركة، و آخرهم كان أننا استولينا على كل ما لديهم من صور و مجلات.

الحرب استمرت لشهرين كاملين، لولا التدخلات الخارجية لقضينا عليهم من الجولة الأولى لكن أي لاعب جديد في السوق، لابد له من ظهرٍ يحميه، حتى لو كان تاجر صور إباحية.

تعبنا من الحرب، ولم نتصالح، أرهقتنا الحرب، استنزفتنا ولم نستسلم، مواردنا استمرت، بأقل الأسعار، معركة وجود، نفوذنا في مهب الريح، النصر صبرُ ساعة، الخبرة لها دورٌ رئيس، كلُّ شيء معنا، كلُّ شيء ضدنا، لم ننتصر، انتصرنا، لم ننهزم، انهزمنا، لم يعد أمامنا حيلة، الصلح خير، السلامُ خير، السلامُ سلام، هدأت الحرب، الخسائر محتملة ومتوقعة، صبرنا، هدأ كلُّ شيء..!

كأي حرب تشتعلُ، لا يعرفُ المتحاربان إلى أين ستنتهي، وكأي حرب أيضاً، يخسرُ الطرفان في النهاية.

حرب "البورنوغراف" حقيقية، وقعت قبل حوالي عشرين عاماً في حارتنا القديمة، ورغم أننا إعتقدنا أنها إنتهت، إلاّ أننا لازلنا نشاهدها أمامنا كلَّ يوم!

فلسطين، عمان

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.