أول امرأة تمارس مهنة الصيد في فلسطين!
مادلين كلاب

كان أبي يكسب قوته اليومي من الصيد، وفي سن السادسة انطلقت في أول رحلة صيد مع والدي بحثا عمّا قد يجود به البحر.

أبي هو من علّمني كل صغيرة وكبيرة في هذا العالم الفريد، وزرع بذور حب البحر في دواخلي، ولم يبخل عليّ يوما بتشجيعاته للاستمرار في عشق الصيد، الذي ظل منذ أزمان حكرا على الرجال.

 

 

سيتغير كل شيء حين بلغت سن الثالثة عشرة، أصيب والدي بالتهاب النخاع الشوكي، وأدى ذلك إلى توقفه عن مزاولة عشقه الأبدي: الصيد. وأمام هذا المستجد الذي نزل علينا كالصاعقة، وبما أن الصيد هو مصدر رزقنا الوحيد، أحسست بأنه من واجبي أن أحمل المشعل وأخوض غمار هذه التجربة الجديدة. سأكون أول امرأة فلسطينية تمارس مهنة الصيد.

 

لم يكن العمل في البحر لقمة سائغة، حيث لم يسبق لأية امرأة أن تجرأت على اقتحام هذا العالم قبلي، دون أن ننسى الإشارة إلى أن الأمر يتعلق بمسؤولية كبيرة، حيث يمكن لعملية الصيد أن تكون جد صعبة بالنظر إلى حالة الجو داخل البحر، خصوصا حين يرخي الليل سدوله وخلال أيام فصل الشتاء. سأتذكر دوما أمواج البحر وهي تتلاعب بالمركب وتقذف به ذات اليمين وذات الشمال، كما أنني لن أنسى كيف كان من الصعب عليّ التغلب على مثل هذه المشّاق، وإعادة المركب إلى توازنه، والعودة إلى البر بسلام.

 

كامرأة، يراودني إحساس بأن العمل في صناعة الصيد ليس بالمهنة التي يُقبل بممارسة المرأة لها، سواء داخل مجتمعي أو في صفوف الصيادين، لكنني لا ألقي بالا لما يقوله الناس. هذه مهنتي، ومصدر رزقي، وأنا لا أهتم بما سيقوله الآخرون بما أنّ والدي يساعدني ويشجعني، وهو ما يدفعني إلى الإيمان أكثر ثم أكثر بقدراتي في هذا المجال.

 

بلغت الواحدة والعشرين من العمر، وصرت صيّادة محترفة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أتوجّه، رفقة أخي الأصغر، على متن قارب مزوّد بمحرك لنلقي شباك الصيد بالليل، على أن نعود لجمعها في اليوم الموالي حوالي الساعة السابعة صباحا. وبما أن مهنة الصيد صارت متوراثة في عائلتنا، فإنني أقوم بتعليم أبجدياتها لأخي الأصغر، الذي أعلّمه كيف يصيد الأسماك وكيف يتحكم في القارب المزوّد بمحرك...

 

أعتقد أنه لأمر مصيري أن ترتبط النساء بمثل هذه المهنة، إلا أنّ الأمر لا يعدو كونه نوعا من المزج بين ما هو اجتماعي وما هو اقتصادي، كما أن ذلك يعزّز تكافؤ الفرص والحقوق بين النساء والرجال في مجتمعاتهم، لأنه يمكن للنساء أن تقمن بمثل ما يفعله الرجال، على أن الفرق يبقى كامنا في وجهات النظر، التي يجب عليها أن تتغيّر.

 

تتوفر كل امرأة شابة على موهبة أو قدرة أو فرصة تنتظر صقلها أو تطويرها أو استغلالها، وفي حال سألني أحد ما يوما ماذا عليه أن يفعل ليتبّع خطواتي، فإنني سأنصحه بالمضي قدما وعدم الالتفات إلى الوراء وسأقول له"اثبت نجاحك لنفسك أولا، ثم اجعل مجتمعك ومن حولك يرون جليا الدور المهم الذي تلعبه، والذي لا يمكن الاستغناء عنه".

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.