بطاقة شحن لهذا العالم
أيمن حسونة

المجنون الذي استيقظ ذات يوم، فقرر أن يضغط زر "Shut Down"،  لهذا العالم.. ونام!

 

 

ذاكَ هو..

أنا.

..

3 حبّاتِ بَلحٍ في صحنٍ على طاولةِ المطبخ، كلُّ حبّة أهديتها لصديقٍ قديم، لم أعد ألتقيه، غاب في الزمن، قرأتُ ذات مرّة، لكاتبٍ ما، أظنّهُ من بلادِ الرافدين، نقلاً عن كاتبٍ آخر، أن البَلَحَ هو هدية السماء لنا، فاكهة محايدة، مرّة وحلوة، قاسية وطرية، هي حسبما تريدُ أن تأكلها. أصدقائي القدماء، أخذهم الزمن، لم يأخذهم المكان. هل فكّرتَ مرّة، كيف يغيبُ شخصٌ ما في الزمن. الزمن يأكلنا، يلوكنا كما نلوك اللُبان، وحين ننتهي من مصِّ النكهة فيه، نبصقه.

كنتُ عائداً من حلم. أخذني، كنتُ فيهِ صفحةَ الوفيات في صحيفةٍ يومية، غالباً حكومية لما تحتويه من إعلانات نعيِ كثيرة. كنتُ (أربعة في ثمنية عمود)، أعلى يسار الصفحة السابعة والعشرين. أنا الذي أكره الأرقام الفردية، هكذا وجدتُ نفسي، حتى مجموع أرقامي كانَ فردياً، لهذا علاقة أكيدة بما كان عقلي يقول لي وأنا في طريقي إلى البيت. أنتَ فُرادى.

هل قال لي "فُرادى"؟ أم فرداً؟ أم مفرداً؟ لم أعد أذكر. كانت الويسكي الرخيص الذي دعتني إليه النقود القليلة التي أحملها السببُ في ذلك، وسوسَ لي شيطاني أن أذهب وأجلس على البار، سيجارتين أو ثلاث وأعود، لكن السهرة سحبت للثالثة بعد منتصف الليل.

اللعنة، تذكرت، ثلاثة رقمٌ فرديٌ أيضاً.

كنتُ نعياً في صحيفة، تجلسُ بجانبي عجوزٌ توفيت بعد صراع قصيرٍ مع المرض، وتحتي شابٌ قضى في حادثِ سير، وبجانبه طفلة ماتت نتيجة خطأ طبي، وتحتها رجل أعمال كبير، وعلى يمنيه رجل أعمالٍ كبير، ويساره رجل أعمالٍ كبير، وتحته أيضاً رجل أعمالٍ كبير، و..مهلاً... هو ذاته، غيري وغير العجوز والطفلة، لا أحد سوى رجل الأعمال الكبير هذا..

حتى في الموت، توجد مراتب، وهذا مهم وهذا غير مهم، يرتاحُ هو وحيداً، ممداً يداه وقدماه بطول الصفحة وعرضها، ونحن محشورين بين سطرين وأربعة فقط.

أنا المجنون الذي إستيقظ ذات يوم، فقرر أن يضغط زر "Format" لهذا العالم.. وينام.

البلح هدية السماء، هكذا قال لي الكاتب العراقي، وصدّقته.

لو أنّي استبدلت حبّات البلح الثلاث بثلاث سجائر لكانت متعتي أكبر. الصحن يأخذُ حيزاً على الطاولة في المطبخ، لو أنها سجائر لأخذت بِضعاً من خلايا رئتي وذهبت. لكن الحبات هنا، أحياناً، أفكّر أن أرميها في الحاوية "هيك ع طول إيدي"، أفتح الشبّاك و"وين ما تيجي تيجي"، لكنها أصدقائي الذين أخذهم الزمان. أشفق على الزمان منهم. أرتبهم، وجوههم نحو الشرق، لا حكمة في ذلك، إنما ساعة فراغ وحسب.

أحلم مجدداً.

اللعنة على حلمٍ يصنع منك سلك شاحن قديم، أو ماسورة بلاستيكية مهملة في غرفة الخزين. آخر مرّة كنتُ على هيئة بطاقة شحن.

سهرت، سهرت كثيراً وأنا أفرّغ طاقتي في كلامٍ فارغ يقوله شاب لفتاة، يعدها بحياة أفضل، لو كان بإمكانه أن يحققها لما تكلم بمثل هذه النبرة في هذا الليل. أفرغتُ نفسي في ليلة واحدة، تخيل! كأنني قلت له "هيتَ لكْ"، لكني لم أقلها، هو الشاب التافه، إشتراني واعتقد أنّي ملكه، اعتقد أني جمادٌ لا أسمع ولا أحس ولا أرى. فرك ذاك الحيوان البشري ظهري ليحصل على متعته، رماني في الزبالة بعد أن ضغط رقمي التسلسلي على شاشة هاتفه، وأفرغني، لا أفرغتُ انا نفسي لأخلص منه. في كل دقيقة كانت تمضي وهو يثرثر كنتُ أٌفرغُ منّي وحدتين كاملتين، آه لو كان بإمكاني أن أجعلهم عشر..

لأنام.

وأستيقظُ أنا على كابوس بطاقة الشحن، والبلحات الثلاث أمامي.

أصدقائي الذين أكلهم الزمن، أين أنتم؟

أريدُ فقط أن أبوحَ لكم بما حلمته ليلةَ أمس، كأنكم معي، كانَ حُلماً سريعاً، كلمة واحدة فقط، أدرتُ ظهري ممُسكاً بمطفأة الحريق التي أراها يومياً داخل باب العمارة، أشعلتها، أشعلتُ البودرة البيضاء في داخلها، صارت رغوة، رششتها عليكم. لم أتكلم، كنتم أيضاً صامتين.

المجنون الذي استيقظ ذات يوم، لوّح للعالم بالوسطى، سحب "الفيش" الرئيسي، ونام.

..

آآه.. نسيتُ أن أقول لكم حُلمي الأخير،

كانت تلك الكلمة هي..

وداعاً.

 

 

فلسطين – عمّان

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.