اللوحة
آية رباح

تعلم الآن جيدًا مثلي أنّ الحزن أيضا أنواع،  هناك الحزن الذي يظهر من خلالك، دموعا أو قصائد أو صراخ

، لكنه يخرج لأنه حزن طفل يدخل بشرًا ويتركهم لغيرهم، وهناك الذي يدفن نفسه داخلك فتصيرَ قبرَه الدائم، فهو حزن هَرِم، يغمض عينيه وينام ليصير جزءًا منك، هناك الذي يعيدك طفلاً وهو ذاته الذي يفقدك عمرك وعقلك، هناك من يجعلك تلجأ للعرافين وكتب التفسير كي تغرق لأن هذا الحزن كالبحر الأسود تلمس لونه دون أن تلمس ماءه أبدًا، وهناك حزنٌ يجعلك تبني كل يوم درجة سلم نحو السماء ولا تصل أبدًا، هناك من يجعلك تزور القبور لتندم وحسب على هذه الحياة برمتها، الذي يجعلك تصنع منطادًا كي تسافر إلى بلد العجائب، والذي يخنقك ليلا، الذي يجعلك تنسى أسماء الكتاب الذين تحبهم، الذي يجعلك تعزف ساعاتٍ طويلة حتى تتحجر أصابعك وتنام، الذي يجعلك تنسى، تكتب بشكل خارق، آخر يفقدك التركيز فلا تفعل شيئا سوى بناء شراع في انتظار نهر لن يمر قبل قرنٍ من الآن، وهناك حزن يجعلك تلاعب الأطفال، تلاعب صورك وأنت طفل تضحك  بينما تتساءل عن عدد السنين اللازمة كي تتلاشى ضحكة كانت بحجم السماء، الذي يجعلك ترقص وأنت تبكي لأنه حزن خفيف يطفو على السطح، آخر يجعلك تسقط  لأنه ككرة حديدية مشدودةٍ إلى قدمك، هناك حزن يميتك وآخر يميتك أيضًا ولكن وأنت تعد السنوات، تتسلى بحساب عدد الأيام وتتفقد ربع اليوم الهارب كل عام، وقد يكون حزن واحد يراوح بين كل هذه الأنواع.

 

دوماً ينجب الحزن أبناءه حولك، هناك ابنه الأمل وابنته السعادة، الحزن هو الأساس، يأخذك كملاك في رحلة باهتة داخل معرض، تخرج من لوحةٍ إلى لوحةٍ أخرى، المعرض نفسه فارغ، واللوحات مهجورة، الألوان تعبرك، أنت تعبر الخطوط، لا تتدخل في شيء لأنها ليست لوحاتك، لاشيء هنا لك، وفي النهاية تصطدم بلوحة فارغة، تسكنها، يدخل الحزن معك في اللوحة، يشكّلُ عيناك، يتدخل أبناؤه، السعادة تشكل ثغرًا مبتسماً، الأمل يصنع لك وجنتين واسعتين، الندم يشكل جديلة في شعرك تتقاطع مع جديلة الغضب، ينساب الشعر طويلاً في اللوحة إلى ما لانهاية. تصير ما أنت عليه الآن لأنك ستصير شيئا آخر بعد قليل، الحزن يبقى ساكنًا عينيك مهما أغمضتهما، سيبدو في أحلامك حينها. عيناك، احذر عيناك وأنت تحدق في المرآة لأن الحزن إذا خرج سيقتلك كما قتل من تحبهم، أغمضهم، تخيل ما تشاء، اللوحة وهم، أنت تعرف ذلك، المرآة وهم أيضا وعيناك لاتريان سوى ظلك وأنت تصرخ من داخل اللوحة كي يخرجوك، لكن حاول أن تبتسم، افعل أي شيء في زوبعة الألوان، ابن بيتًا، ارسم طائرة ورقية لكن لاتحاول الخروج، إذا خرجت أغرق الحبر المكان. الحزن يأخذك إلى لوحة ذاتك، تفهّم ذلك بذكاء، يأخذك كي يضعفك لكن ابق قويًا، الحزن بأنواعه يصير قاعدة حمض أميني، يكبر ليصير جينا ثم كروموسوما جديدا لامرئيًا، لا تلد، الحزن يورّث، وإذا متَّ سكنَ من تحبهم، اهرب بجلدك بعيدا حتى تصل إلى مملكة الله، عندما تصل سيصير الحزنُ فراشةٍ تحط على كتفك، قلبك سيصير عصفورًا وستفهم أن الحزن بكل أنواعه وهم، واللوحة وهم، لن تعرف ذلك إلا عندما تفقأ عينيك في ظل غيمة.

مملكة الله.. هناك. اركض دون توقف حتى تبتسم الروح ابتسامتها الأبدية. أنا أيضا أهذي، لكني أركض. أحلم بالنهاية. و بطريقٍ أبيض، بلا معارض ولا ألوان. بلا شيء..

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.