سورة التوبة
طه طبيله

ربما من أهمل الشامبيونزليج، لا مشكلة لديه في إهمال مباريات الليغا الإسبانية

، وحجة الرغبة في النوم المبكر قد تنحال بنجاح على صديقي

 

زيد، المدريدي.

 

اللحاف الأبيض مُلتم حولي بعنف، النافذة وكأنها مفتوحة سهواً وتسمح للهواء بالتلاعب بالستارة، فليتلاعب الهواء قدر ما يريد، الغرفة شرقية وأنا لا أشعر بالبرد، أثناء حديثي المونولوجي هذا، بأني لا أشعر بالبرد، شق ضوء من بين الستارة واختار جبيني ليقع عليه، خيل لي من الوهلة الأولى بأن مصدره سلاح جندي قناص يتربص بي منذ ساعات، أسرعت للتأكد من لون الضوء ما إذا كان أخضر، بطريقة تلهمه بأني أغض في نوم عميق، الأمر ليس بتلك السهولة، مع الممارسة ستتقنه، وستكتشف في كل مرة بأن مصدر الضوء هو عامود إنارة الشارع، المائل إلى الأصفر الباهت.

 

الساعة الثالثة عقب منتصف الليل، لا أعلم لماذا لم أنم بعد، رغم بقائي بقميص الكتان الأبيض، خادعاً نفسي بحاجتي الملحة للنوم، وبأن لا وقت لدي لارتداء البجامة الزرقاء المقلمة؛ إضافة بأني أغمضت عيني جيداً وكررت ترديد آية قرآنية، قرأت سابقاً بأن مفعولها سريع وتكرارها يوحي للعقل الذهني برغبة الجسم في الراحة "ما أتفهك يا طه!" تهجر القرآن طوال العمر، وتلجئ له عند النوم!

 

نظرت إلى السقف، وفكرت كثيراً، فكرت بما حدث في مختبر الإخراج الصحفي صباحاً، أسامة وكذبه المتواصل، سائق التاكسي الحقير، محمد.. آسف لم أعد أتحمل سماع همومك، قطعة البسكويت التي سقطت في ساحة الكلية من الطابق الثاني، تفاهتي في خلق حوار مع أشخاص لا أعرفهم جيداً، غنائي المزعج لوديع الصافي وفيروز، عزيمة عمي غداً، خالي..  يفضلني من بين أبناء أخوته وأخواته ولا أحادثه إلا في المناسبات، ابن عمي الصغير يخطأ بحقي كالعادة ثم يعتذر عند حاجته للعب على هاتفي، خالتي تعيش وحدها بعد وفاة جدتي ونبرة صوتها في المكالمة الأخيرة حملت تأنيباً لتقصيري غير المبرر، أحمد يحسدني على العيش وحدي، وعبد الله لأني لم أعزمه على كوب نسكافيه كما فعلت لرامي لم يعد يحادثني، عمر يتهرب دائماً من جلسة في مقهى شعبي، وإبراهيم صديق الطفولة بدأ حديثاً بعدم الرد على رسائلي، خالد لم أعد أراه بعد توظيفه في شركة جديدة.

 

أذكر بأني تقلبت على الجنبين كثيراً، يميناً، يساراً، نظرت إلى السقف مرة أخرى، أمي لم أكلمها من أسبوع، والدي أخبئ شوقي له، أعلم أنه لا يحب مراسم الوداع والاشتياق، يريدني أن أصبح رجلاً فقط، أختي الكبيرة لم أعد أمازحها كعادتي، وأختي الصغيرة لم أعد أكلف نفسي بسؤال عن حالها، نصف القرآن الذي حفظته في صغري تلاشى حفظه، وصلاة العصر تناسيتها كالعادة!

 

أغمضت عينيَّ، فتحتهما، أغمضتهما مرة أخرى، شعرت بصداع، اختلط بدموع مالحة الطعم، سماعة الهاتف التي فاضت بالأغاني، أكرر عليها سورة التوبة على غير المعتاد، لا تسألني لماذا هذه السورة، أنا حقاً لا أعلم.

 

الدمعة تزيد، تزيد أكثر، تبكي، وتبكي.. تضع المخدة على وجهك، تسكت، وتنام.

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.