قصّة ذكوريّة عن الحبّ
رشا حلوة

في أوّل موعد عاطفيّ بينهما، انتقلا بين بار وآخر، بين مقهى وآخر، تحدثا مدة 10 ساعات تقريبًا.

سألها قبل أن تعود إلى البيت: "هل سأراك مرة أخرى؟"، "طبعا" أجابت، بلا ابتسامة خجولة وهيكا. بعد يوميْن، خرجا سوية لتناول لعشاء، كلا، لم يدعوها هو، أي الرجل، على العشاء، إنّما أرسلت له رسالة مفادها: "بدّك نتعش سوا؟"، فأجابها: "أوف كورس!". المهم، التقيا في مطعم عاديّ، شمعة حمراء على الطّاولة كادت أن تحرق شعره، جعلت المطعم رومانسيًا. المهم، حدثّته عن العمل، حدثّها عن بلده، صمتا قليلًا، ومن ثم قال لها: "أنا سعيد، وحاسس بإشي جميل، بس خايف أجرحك". "بلشنا!"، قالتْ في رأسها، وتابعت بصوتٍ عالٍ: "اتصلي قبل ما تجرحني". ها ها ها. ابتسم هو، لم تضحك هي.

 

"اسمع"، قالت له. وقفت عن الكرسي، خبطت على الطاولة بلطف، تحوّل المطعم إلى قاعة أوديتوريوم كبيرة، بكراسٍ حمراء وأجهزة صوت بجودة عاليّة، على المنصة وقفت حاملة ميكرفون في يدها، تلبس فستانًا لونه أخضر وروج بنفسجيّ، وشعرها طويل لونه أسود، وليس ناعمًا. بين الجمهور، كان يجلس "هو" بين الآلاف من البشر، وهي تنظر إلى الجمهور، التقطت وجهه، وبدأت حديثها كأنها تحكي معه، مع أنها كانت تتحدث عن ومع الآلاف من الرجال، أخذت نفسًا عميقًا وقالت: "إن المنظومات الذكوريّة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة التي نعيش في ظلّها، نساء ورجالًا، بالضرورة لها تأثير مباشر على أشكال العلاقات ومنظومة العواطف. وبالأساس، حول أداء الرجال خاصّة في البدايات، تجاه النساء والتعامل معهن على أنهن أكثر ضعفًا ومالكات للعاطفة مقارنة بالرجال أصحاب العقول الميكانيكيّة. عفوًا، بعض الرجال وكما يحسبون أنفسهم أصحاب عقلٍ أكثر من قلب. إي والله، هم كذلك أولئك الذين يفكرون باحتمال صناعة الألم قبل محاولة الحبّ!".

تصفيق حاد. لم يصفّق هو مع الجمهور. آه، كان الحضور بغالبيته نساء، منهن من لديها علاقات حبّ ناجحة. لكن، لا علاقة هذا بذلك. هي تتحدث عن الفكرة، عن المنظومة الذكوريّة في الحبّ الحاضرة حتّى في الأفلام التي أقنعتنا أن الحبّ العنيف هو الحقيقيّ. عادت إلى مقعدها، اختفت قاعة الأوديتوريوم، كان النادل قد غيّر الشمعة الحمراء بأخرى لأنها انتهت. كان هو ينظر إليها، نظرت إليه، وقالت له: "عادي، وأنا كمان بقدر أجرحك".

على الهامش

في لقاء مع مجموعة من الشباب والشّابات بأعمار مختلفة، في قاعة صغيرة وليس غرفة أوديتوريوم، تمحوّر اللقاء حول النسويّة، الجندر (النوع الاجتماعيّ) والعنف ضد النساء، وعند بدايته طُرح السّؤال: "ما هي النسويّة؟".

شارك الحاضرون وشاركت الحاضرات إجابات كثيرة، تنوعت بين تعريف الكلمة من خلال ربطها بحركات نسويّة أو ناشطات نسويّات، لكن بمعظمها، لم تكن الإجابات بمثابة تعريف للكلمة بقدر ما كانت وجهات نظر "نقديّة" على "أداء الحركات النسويّة"، حسب تعبير أحد المشاركين.

النقاش الذي رافق الإجابات، كان مهمًا، لربما أهم من الإجابة نفسها، وفي وسط كل الضجيج، ارتفع صوت إحدى المشاركات، محاولة أن تخلق فراغًا للحديث فيه، كي يسمعها الجميع، وقفت – ليس على منصة أوديتوريوم هذه المرة – وقالت: "أنا مش فاهمة ليش معقدين الأمور؟ ببساطة، النسويّة إنّنا نطلع على كل إشي بحياتنا، بعين نقديّة، بلكي صار مساواة بين الجنسيْن".

على الهامش 2

في زيارتي إلى لندن، خرجت من إحدى محطّات المترو، وأمامي، كانت لافتة كبيرة بخلفية حمراء، تُشبه لون كراسي الأوديتوريوم، كُتب عليها بالإنجليزيّة: لا تدعي أحد يخبرك إنك غير قادرة على فعل شيء ما"*.

 

*الجملة كُتبت بالإنجليزيّة، وباللغة الإنجليزيّة يوجّه الكلام للجنسيْن، ترجمتها إلى العربيّة بصيغة المؤنث، لكن بالطبع، هي موجّهة للجنسيْن، خاصّة أن العدالة والمساواة بين الجنسيْن، هي مسؤوليّة الجنسيْن، والنسويّة هي نهج الجنسيْن أيضًا.

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.