الحماية الجنائية للمرأة الفلسطينية: الواقع والتطبيق
روان عبيد

لعبت المرأة الفلسطينية دوراً جوهرياً وحيوياً في عملية النضال الوطني الفلسطيني،

وتعتبر المرأة النواة الأساسية للأسرة وعماد المجتمع والركيزة الأولى التي يبنى عليها  تنمية المجتمعات لذلك فإن إيلاء الاهتمام بهذه الشريحة أضحى أمراً مفترضاً من صانع القرار الفلسطيني لوضعه على سلم أولوياته في رسم السياسات والتشريعات الوطنية و التدخلات الملائمة والحساسة لقضايا المرأة واحتياجاتها، وذلك من خلال سن تشريعات تحقق الحماية الجنائية للمرأة الفلسطينية من خلال قانون عقوبات عصري يلبي احتياجات النساء الفلسطينيات من خلال على إقرار قانون خاص لحماية الأسرة من العنف.

 

عند مراقبة وتيرة العنف الذي تتعرض له المرأة  في المجتمع الفلسطيني والتي تحدثت عنها الأرقام والاحصائيات، ولعل آخرها ما قام بتوثيقه "مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي" لجرائم القتل بحق النساء خلال العام 2017؛ حيث بلغ عدد حالات القتل المرتكبة بحق النساء خلال العام المذكور بـ 28 حالة، تعتبر شكل من أشكال العنف المبني على النوع الاجتماعي ولعله أشدها وأخطرها والذي يقع جله على النساء عموما، نتيجة لهذه المؤشرات الخطيرة برزت الحاجة الملحة والعاجلة للعمل على تعديل جملة من القوانين الجنائية، وعلى رأسها قانون العقوبات وإقرار  تشريع جديد خاص للحماية من العنف الأسري بحيث يضمن معالجة جادة لموضوع العنف خاصة العنف الذي يقع في نطاق الأسرة، وبالرغم من الجهود الكبيرة التي تبذل للحد من هذه الظاهرة، إلا أنها كانت دائما تصطدم بجملة من المعيقات الكثيرة.

وعند الحديث عن أبرز المعيقات التي تقف في مواجهة تحقيق الحماية الجنائية للمرأة في المجتمع الفلسطيني تتمثل بالاّتي:

أولا: التركات الاجتماعية والمفاهيم الأبوية والتي تعتبر موضوع العنف ضد النساء من الأمور التي تمارس ضمن الحيز الخاص داخل الأسرة وإنه لا يجوز لأحد التدخل واختراق خصوصية وقدسية العلاقات الأسرية، فمن هنا نجد أنه لابد من وجود قوانين أو أنظمة أو لوائح خاصة بحماية الأسرة تعالج وتبين بوضوح ماهية العنف الأسري وأشكاله وطرق معالجته لهذا الموضوع الحساس، لطالما أن حماية المجتمع من العنف الأسري بصورة خاصة يشكل الواجهة والعنوان لقياس مدى تطور مفاهيم المجتمعات المعاصرة. آن الأواّن لكسر جدار الصمت فيما يتعلق بموضوع العنف الأسري و هذا يتطلب منا جميعاً واجب ومسؤولية التدخل الجاد والصريح بمواجهة هذه الممارسات وتجريمها بل والمساءلة الفاعلة و الرادعة لمرتكبها بغض النظر عن مكانته ودوره على صعيد الأسرة.

ثانيا: جملة القوانين  الجنائية التي تعالج موضوع العنف ضد النساء، حيث يعتبر التشريع الجنائي في فلسطين انعكاساً للواقع السياسي المعقد؛ الأمر الذي أثر على المسيرة التشريعية حيث لم تزل دولة فلسطين محكومة بكل من قانون العقوبات الفلسطيني "قانون الانتداب البريطاني" رقم 74 لسنة 1936 الساري على صعيد قطاع غزة، وقانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960، الساري على صعيد الضفة الغربية، وعند الاطلاع على هذه القوانين ونتيجة لقدمها فقد أضحت عاجزة عن تلبية ومراعاة الكثير من التطورات الحالية التي طرأت على بنية المجتمع الفلسطيني، ولا تراعي و تأخذ بعين الاعتبار ما خطته المجتمعات البشرية والأمم المتحضرة من خطوات هامة على صعيد حماية حقوق الإنسان وحرياته العامة، وما أثر على العملية التشريعية أيضاً حالة الانقسام السياسي الفلسطيني، وأثره على تعطل عمل المجلس التشريعي الفلسطيني من الانعقاد منذ العام 2007، وتعطل العملية التشريعية واقتصارها قرارات بقوانين يصدرها رئيس الدولة مستخدماً المادة (43) من القانون الأساسي الفلسطيني؛ والتي تعطيه صلاحيات إصدار القرارات بقوانين في حالة الطوارئ، ولم تتجاوز التشريعات المتعلقة بالنساء الـ(1%) فقط.

و من جانب آخر فإن ما استقرت عليه الخبرات المتراكمة في علوم الجريمة أن أكثر الجرائم تعقيدا هي التي تقع داخل الأسرة الواحدة، وذلك بسبب انغلاق الأسرة عن الخارج مما يوفر للمعتدي الوقت الكافي لتنفيذ الجريمة بأساليب مختلفة وإخفاء معالم جريمته  فمن هنا نجد أنه لا بد من وجود قوانين أو أنظمة أو لوائح خاصة بحماية الأسرة تعالج وتبين بوضوح ماهية العنف الأسري وأشكاله وطرق معالجته، ولن يتم تحقيق ذلك إلا من خلال إقرار قانون حماية الأسرة من العنف، مع العلم أنه كانت هناك مبادرات مبكرة من بعض مؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها "مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي" منذ العام 2004، بضرورة تبني قانون حماية الأسرة من العنف، وقام المركز  ومنذ ما يقارب العقدين من الزمن بالعمل على إعداد النسخة الأولى لمسودة القانون، ولكن القانون لم ير النور حتى الوقت الراهن، ومن الضروري أن يكون هذا الأمر على سلم أولوياتنا لإصداره ليكون مرجعاً لحماية النساء والفتيات ضحايا العنف الأسري.

وانطلاقا من المعايير الدولية لحماية حقوق المرأة؛ كما ورد في المواثيق والمعاهدات الدولية  وبناءا على الخطوة النوعية التي أقدمت عليها دولة فلسطين بالانضمام إلى المواثيق والمعاهدات الدولية، ومنها اتفاقية مناهضة جميع أشكال التمييز ضد المراة  "سيداو" أيضا ما أكدت عليه المرجعيات الحقوقية الوطنية كإعلان الاستقلال والقانون الأساسي الفلسطيني ووثيقة حقوق المرأة، والتي أكدت على ضرورة تحقيق الحماية والمساواة للمرأة الفلسطينية، فإنه أصبح على دولة فلسطين ضرورة تكييف تشريعاتها مع المعايير الدولية والمحلية المختصة في هذا الشأن، وهي ملزمة باتخاذ كافة التدابير وتوفير جميع الوسائل اللازمة لتطبيقها على أرض الواقع، و كخطوة في هذا المجال، من الضروري أن يقوم سيادة الرئيس بالعمل على نشر كل الاتفاقيات التي انضمت إليها دولة فلسطين، بما فيها اتفاقية "سيداو" في الجريدة الرسمية؛ لكي تصبح جزءاً من القانون الوطني الفلسطيني، وبهذا يستطيع القضاء الفلسطيني  الاستناد إليها في إصدار أحكامه في حالات التمييز المبني على أساس الجنس أو العنف المبني على النوع الاجتماعي. وأن تواكب هذه العملية أيضاً خطوات حثيثة لإقرار التشريعات ذات الصلة بحماية النساء، وعلى رأسها قانون حماية الأسرة من العنف، قانون يتضمن نصوصاً تحمل طابع الإلزام القانوني والمرونة الاجتماعية التي تراعي خصوصية الأسرة الفلسطينية ضمن قواعد السرية والخصوصية اللازمتين للحفاظ على الأسرة وتماسكها وحمايتها من التفكك الذي قد يسببه التدخل القانوني العقابي المجرد، قانون فلسطيني عصري يتضمن العقوبات الهادفة للردع الاجتماعي عن طريق عملية الإصلاح والتأهيل التي تستهدف الجناة والضحايا.

أيضا بات من الضروري العمل على إقرار قانون عقوبات عصري رادع يكفل الحماية الجنائية للمرأة الفلسطينية، والتأكيد على أن عملية التعديل التشريعي للقوانين، عملية يجب أن تتم بصورة دورية ومستمرة بناء على احتياجات المجتمع والتطورات التي طرأت عليه، فوقوف التشريع عند مرحلة زمنية معينة وعدم مواكبته للتغيرات المجتمعية ستؤدي إلى ازدياد المشكلات داخل النسيج الاجتماعي لعدم قدرة التشريع على تلبية احتياجات الأفراد داخل مجتمعاتهم .

 

"مركز المرأة لللإرشاد القانوني والاجتماعي"

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.