"بَصّة".. على اسم إمّك
فاطمة عبيدات

 

هَذي مِش مُجرّد " خَشبة "، هاي " حياة كاملة تمـ انتهاكها ".

 

 

 

لأوّل مَرة بَصوّر " بنت قَلبي\ طفلتي إللي تبنيتها من عَكّا ".

هَذي بنتي " بَصّة "، عُمرها الزَمني من لمّا ضميتها لصدري في القُدس فوق الـ 10 سنوات.

بَس عُمر بَصّة الحقيقي ببلّش من قبل عامـ النكبة 1948، بَصّة أطول عُمراً،

من حَنين النُوق إلى صغارها وأنين المُلتاع لريحة بلادُه الأمـ.

كيف تعرّفت على بنتي بَصّة! أعتقد هيه إللي تبنتني مش أنا إللي تبنيتها.

زَيّ ما جَرت العادة عندي،

بَحب أمشي، أفتل، أتمرمغ في بلادنا وبكل شِبر فيها.

بَس عندي زاوية في رُوحي بتظلّها مثقوبة كالثقوب السوداء إذا ما بَمشي في قرانا المهجّرة.

قَبل أكثر من 10 سنوات كُنت في عكا، ومَشيت في قرية مهجّرة من قضائها.

هالقرية اسمها " بَصّة "، وتم تهجير البَصّة عامـ 1948  ع وقت النكبة،

وإبادة الإنسان، الحيوان، المكان، الشجر والجماد.

وبصّة هيه أكبر قرى مدينة عكا إللي تمـ تهجيرهمـ عامـ 1948 مـ.

وكانت البصّة كإنها لوحة مرسومة على الأرض زي السجادة الخضراء.

سجادة خضراء لإنها كانت معبّاي بكرومـ الزيتون والخروب وبساتين الحمضيات.

فـ وأنا بَمشي جوات قرية البصّة وبتأمل في بقايا حجارتها وأشجارها،

مرقت من جنب سياج محوّط دار فلسطينية مهجّرة، طلّتها زي طلّة القصر.

أول ما بتتلاقى مع هالدار اليتيمة إللي بقيانه لحالها على طرف القرية،

بفوت جواتَك احساس إنها  إنسان

واقف مثل شموخ مفيد الوَحش في نهاية رجل شجاع.

فارد كتافه، رافع جبينه وبغنّي بقلبه نشيد موطني.

ظليّت أحسّس ع الشِيِك " السياج " وألف حوليه،

وفي صُوت خفي بقلّي " هيــــــــــــــــه فاطمة أنا هُون، تعالي خُذيني ما تتركيني لحالي ".

رُحت تشعبطت، مرقت من بين شقوق كانت جوات الشِيِك وفوق أكوامـ الشُوك.

أول ما مرقت الشِيِك دبّ قلبي قدامـ هالدار.

كان الشُوك معبّي بُوتي وملزّق في بنطلوني الجينز،

وإيدي تشفّروا وانجرحوا من الرَكي ع الشِيِك وشيل الشُوك والحجار من طَريقي لأقدر أمرّ.

حَسيت في أرواح عمـ تدفشني لأقرب ع الدار،

وفي أصوات عمـ تئن وتركض حَوليّ وتقرقط بأطراف التيشيرت.

كان جنب الدار شَجرة غريبة، ضخمة جداً، عالية بشكل مُرعب وعاملة سقف سَما بأغصانها.

وفجاة خطيت أول خطوة ومرقت من عتبة الدار.

كُنت زيّ الغريق إللي نسيته الأرض يصرّخ جوات مُحيط أزرق ملوش قَرار.

الدار ناخرها الحُزن من ساسها لراسها.

حطيت كفّة إيدي اليمين ع الحيطان وصرّت أغني وأعيط، أضحك وأسكت.

مِش عارفة أنا مَجنونة بشكل فطري أو جَننتني الدار.

وما لقيت حالي إلّا بطلع ع الدرج الداخلي جوات الدار للطابق الفوقاني.

قَلبي صار مثل صندوق عِشق، صار خُردة واندلق إللي جواته من الغناوي والمهاهاة.

وبلّشت أروّد زي حجاتنا الفلسطينيات بلا وَعي أو إدراك منّي.

بتذكّر شوي من العبارات إللي حسيتها لِبسِت لساني وصارت تُكرُج لحالها:

- يمّا يومِن طلّعونّا من هِينا، سَوافي الحُزن عَمّين عينينا.

- طِير إخظر على كُمك يا داري هيهِ، قوليلي منهو بيّك يا داري هيهِ.

لمّا خلّصت أول شاحِط من الدَرج وأنا بحاول ألِف بجسمي بعكس عقارب الساعة،

لأتّجه لأكمل الشاحِط الفوقاني من الدَرج " حسيت قَلبي انقمط ".

أخذت نفس عميق ورفعت راسي واطلّعت على آخر الدرج.

شُفت باب طَويل زيّ صاحب الظل الطويل في " جُودي آبوت ".

رقبتي انقطمت وأنا بحاول أتأمله كلياته من ساسه لراسه.

كمّلت مشي لآخر الدرجات ووصلت لحديت الباب وهناك كانت أول مرة،

بلتقي فيها مع " زِنْد الباب "\ أو قرمية الباب.

حسيت حالي رح أوقع عن الدرج، كإنه جيش من الأسئلة صار يدفشني لورا.

مين أهل الدار!، مين بنى الدار؟،

وين تهجّروا أهل الدار؟،

كيف ماتوا أهل الدار؟،

قديش فيه ذكريات حلوة في الدار؟، قديش فيه ذكريات حزينة في الدار؟.

نزلت أركض ع الدرج وحسيت كإنه إيد قوية جداً مسكتني من بلوزتي وغصبتني أوقّف.

لفيت راسي وأول شِي لمحته بعيوني " زِند الباب ".

أنا: زِند الباب لا يُمكن يحكي.

الزند: ما تخليني هُون يا فاطمة.

أنا: وين أوخذك معي؟

الزند: اليومـ أو بكرا أو بعده يمكن يتمـ محو الدار، وأموت. خذيني يا فاطمة.

أنا: طَب أنا مِش إمـ لَحدا ومبعرفش أربّي!

الزند: أنا شايفك إمّي، خذيني ما تخلّيني لحالي. أنا خايف يا فاطمة.

طلعت عند الزِند زي المُهرة، أرمَح بسرعة خيالية، كإنه بطارِدْ وراي كومة أشباح.

باستعجال تامـ قطمت النتفة إللي ظلّت مشعلقه الزند بحَلْق الباب،

ضميته على صدري ونزلت زي الفريرة وشردت بريت الدار.

قعدت جنب الشِيك أعيّط وأمسح دموعي بإيدي اليمين.

وبإيدي الشمال حاطّه الزند ع جهة قلبي،

شادّه عليه بقوة وَطن مصنوع من الإميّات إللي عمـ بدافعوا عن أطفالهمـ، من الوجع.

هبّت نسمة هوا، قلقت يبرد الزند فشلحت الشال عن رقبتي ولفيته فيه.

وأنا في الطريق في الباص مروّحه للقدس،

حطيت " قرمية الباب " ع كرسي لحالها وحكيت معاها بشكل صريح.

أنا فاطمة من القُدس، وإنتِ اسمك بَصّة على اسمـ إمّك الحقيقيّة.

أنا اخترتِك بنت قَلبي.

أنا مش إمـ لَحدا، بَس خلّفتِك من رحمـ رُوحي.

رح تصير دارِك القُدس،

بَس عَكا هيه الدمـ في عروقِك.

رح أظلّني أدير بالي عليكِ من الحُزن، وأغنيلك من تراثنا الفلسطيني.

وكنت دائماً أغني للبصّة بنتي:

آويها وقوليلي وين ربيتي يا عوينات الجمال

آويها وأنا ربيت في دار إمي فاطمة عَ العزّ والدلال

" عرِق عيني يمّا "

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.