الجُثّةُ التالية
فاطمة عبيدات

هَل أنا مَيتَةٌ؟، لا أعلمـُ.

سَخيفٌ هَذا الجَسد. كثيرٌ ما يَعتقدُ أنّهُ باقٍ إلى الأبدِ عَلى وَجهِ البَحرِ،

لَكن سُرعانَ ما يَكتشفُ أنّهُ ليسَ إلا زَبَداً زائل. المَوتُ وَحشٌ لعين. ينتَظرُ إلى أن نَعتادَ على أجسادِنا، أسمائِنا، هُوياتنا، وأن نَبني لَنا بعضَ البيوتِ من الذِكرياتِ اللَعينةِ، ثُمـَ يأتي وَيمحو كُلَّ شَيء. بووووومـ يختفي كُلَّ شَيء.

 

مُقلِقٌ جداً مُحاولةُ حفظِ الوُجوهِ، الأصواتِ والأمكنة. لا رأسَ قادرةٌ على ممارَسةِ الذاكِرةِ إلى الأبد.

إنّنا مُصابُونَ بلوثَةِ الحَنين. رؤوسنا تَهرعُ بِسرعَةٍ إلى حُضنِ الحَنين. نَحِنُّ إلى كُلِّ شَيء ونَخشى أن نكونَ مُجَرد سَراب. مِنَ المُؤلمـِ أنّ نِهايةَ الأشياءِ دائماً هيّ المَوت.

إنّ الحَياةَ مَهزلةٌ تراجيديّة. أيُّ مَيّتٍ أنا الآن في طابُورِ الوَفاةِ الطَويل؟. حَيثما يَستَوقفني خبرُ مَوتٍ ما، أجِدُني جزءاً من لُعبةٍ كبيرةٍ، أنا لستُ سِوى أداةٍ دُونَ أن أُدرِكَ ذَلك!.

يُرعِبني أن أكونَ جثّة. أعيدُ النَظرَ في جَدوى الكِتابةِ، وَجدوى القَضايا التي أؤمنُ بِها وَكيانِي كَكُل.

يَعرِفُني المَوتُ أكثرُ مِمّا تَظنُّ الحَياة.

ابحَثوا وَخبّرُوني، فَهل في الإنسيّينَ من يَغلبُ المَوت!. بِطريقةٍ ما نَدّعي القُوّة، رُغمـَ كُلِّ التَعب.

هُناكَ فَوضىً عارِمة في داخِلنا.

في كَثيرٍ مِنَ الأحايينِ نخالُ أنفسنا ناياً هَرِماً، مليئاً بالثُقوبِ والبُكاء. أو نتَغابى. الغَباءُ طَوقُ نجاة.

أنا أُخالِطُ العالَمـَ دُونَ أن أَخوضَ حياةً حقيقيّة.

أقفُ في الكَونِ وَلستُ في الكَون. إنّني في عُزلةٍ صَلبةٍ كَصخرَة.

نهاراتٌ وليالٍ مَهزومة، وَحُزنٌ ضَخمـٌ يَستيقظُ مَع إطلالةِ كُلّ صَباح.

مِنذُ الصِغرِ وأنا أصِلُ إلى الأشياءِ مُنهَكةً، أَصِلُ لألتَقِطَ أنفاسِي، أَصِلُ لأستَريحَ، أَصِلُ لأموت.

أُقاوِمـُ تَعبي.

الإنسانُ يَعبرُ الحَياةَ مَرّةً واحدة. يَبحثُ كثيراً عن الحُبِّ، وَلا أحدَ يَنظرُ إلى قَلبه.

وَلحظةَ حُلولِ المَوتِ، لَن تتذكّرَ كيفَ نَجوتَ مِنهُ؟، وَلن تُدرِكَ هَل أنتَ حَيٌّ أو مُتوفى!.

لكن كيفَ يَموتُ الإنسان؟. كَيفَ تُراهُ يَختَفي كَفصِّ مِلحٍ في كأسِ ماء؟.

المَوتُ غَريبٌ وَمُوحِش. إنّهُ يَقتربُ مِثلَ ظلامـٍ دامِس مِن كُلِّ شَيء.

هَل نَفنى إذا لمـ يَكُبَّ اللهُ عِطرَنا في قَلبٍ ما!

حِينَ نتقابَلُ معَ المَوتِ لن نَعودَ الشَخصَ الذي في داخِلنا، وَلهذا السببِ وَحدهُ، كانت الحياة.

حَالةٌ من الجُنونِ، لا أحدَ فينا يعرِفُ إلى أينَ هُوَ ذاهب.

الظَلامـُ لَنا وَحدنا. كُلُّ شَيءٍ يُريدُ نُسخَتكَ السَعيدة. كُنتُ أظنُ أن لَن يَطوينا النسيان، فلِماذا التَضحية؟.

كُلّ هذهِ المشاعرِ، والحُبِّ إلى الفَناء.

هُناكَ سَيلٌ من التَمزّقِ واعصارٌ من التِيهِ يَحجبُ الأُفق.

البَعضُ مَثواهمـ القَلب، وَقبرُ الغَريبِ في قَلبهِ.

أُصْرُخ عندَ الضرورةِ.

أُصْرُخ.

 

 

#البقجة

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.