رسالة من جندي قديم
محمد الشيخ يوسف

 

(رسالة من جُنديٍّ قديمٍ إلى أصدقاءَ قد يكونوا على قيدِ الحياةِ في أرضِ المعركة)

 

الريحُ هُنا لا تحملُ الموت، بإمكاني أن أفتحَ ذراعيَّ إلى المدى بأقصى ما أستطيعُ من اتِّساعٍ وبلاهةٍ وطمأنينة، لا أحتاجُ للأحذيةِ السميكة، لا قنابلِ محشوَّةً في خاصرةِ الأرضِ، ولا أشواك تُزعجُ باطنَ قدمي الطري، أصبحتُ أُنثويَّ الحواسِ، أرى بعيني طفلٍ لا يتشاءمُ مِنْ الغُرابِ ويظنهُ حمامةً أطالت الانتظار في الشمس، وأتنفسُ بصدرِ أُمٍّ تُعِدُّ الخُبزَ الصباحيِّ للعائدين من حقولٍ بلَّلها الندى، وأسمعُ يا أصدقائي في كُلِّ شيءٍ موسيقى، مثلاً جارتنا الصبيَّةُ التي ما زالت تكتشفُ حُسنَها في المرآةِ، تُصيبُني بهوسٍ كُلَّما دقَّ كعبُها رصيفَ الشارعِ كغجريةٍ تُرقِّصُ النارَ بخُلخالِها الذهبي، ولولا أنَّني لا أريدُ أن أُفرِطَ في تِكرارِ ما قالوا في وصفِ العصافيرِ والفراش، لقلتُ لكم كيف تُطرَّزُ تلك الكائناتِ القُطنيةِ صباحيَ كُلَّ يومٍ، وتُقيمُ في قلبي الصغير عُرساً من غناءٍ وشجر.

 

الصدقُ أنِّني صرتُ أتلفَّتُ على مهلٍ دون خشيةٍ أو قلقٍ من قناصٍ أو رصاصٍ مُتسرِّعٍ وطائش، ولا أخافُ من الرعدِ إذ أن البرقَ يُطبطبُ عليَّ ويقول: جاء الشتاء، وعِندي ما يكفي من الوقتِ لأتمايل برشاقةِ القصبِ تحت المطر الذي عرفتُ أنَّه دافئٌ وحميم، لا كما كُنتُ أظنَّهُ بارداً وحِكراً على الخيامِ الرمادية، والضبابُ صار رفيقاً جيداً لأغيبَ فيه وأمارس جنونَ الأطفالِ، لأمارس عادتي القديمة من الركضِ والرقصِ والصراخ، وكُلَّما ارتطمتُ بكتفٍ غريبٍ عرفتُ أنَّها ليست عادتي وحدي دون ارتباكٍ أو قلقٍ من هويةِ الغريب الذي يصوِّبُ جنوني نحو ضبابٍ أكثر كثافةً بلا تهديدٍ بفوهةِ بندقيةٍ أو عصا. أسيرُ بين القُبورِ بخشوعِ شمعةٍ في الظلام، وأنامُ على الكُرسيِّ بأناقةِ عجوزٍ يقرأُ روايةَ حُب، وأعدْتُ لزوجتي كُلَّ القُبلِ التي كانت تبعثها في مظروفِ الرسائلِ؛ واستبدلتها بحضنٍ كبيرٍ وفنجانِ قهوةٍ يوميّ، وعتابٍ خفيفٍ منها كُلما تمشَّينا مساءً إلى الشاطئ وحدثتني عن قلقِ الانتظارِ وأرجوحةِ الاحتمالاتِ وبعد كُلِ عتابٍ تقول: اسأل البحر إن شئت، اسأل الأريكةَ إن شئت، اسأل قلبي الذي أخذتهُ معك إن شئت.

أنا حين تركتُكُم، لأنَّني أردتُ الدفاعَ عن الحياةِ بالحياةِ، فاتركوا الموتَ، وتعالوا لنشرب الشايَ معاً.

 

 

فلسطين، قطر

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.