بيت جدتي!
أحمد تيم

أكثر الغُرف التي تُثير الفُضول في نَفسي، تَقع على يَمين باب البيت، كانت تَبقى مُقفلة طوال السَنة

، سُكانها على مَر الزمان انعزاليين، أولهم جَدي، وثانيهم ابنها، للمرة الأولى التي وَددت أن أدخل فيها هذه الغُرفة، كان عُمري لا يُتجاوز العشر سنوات، تَعرضت يومها لجرح في إصبعي من الكُرسي الحديدي ولازمني هذا الجرح طيلة ست سنوات، بَكيت يومها كَثيراً،

 

ذّكرتني جَدتي بتحذيرها المتتالي عن دخول هذه الغرفة، وَشكيت لأمي أن هذه الغُرفة سوداء ولا يَجب أن تَبقى تَحت سَقف هذا البيت، بَعدما توفي جدّي، انتقلت الغُرفة تلقائياً لإبنها الذي كان يَشغل نفسه بالدراسة فيها، ووضع كراكيب الكُتب في زواياها الفارغة، تَخرَّج من البيت، وتزّوج وسَكن قُربه، وباتت  الغُرفة فارغة من البَشر الأحياء.

أغلقت جَدتي باب الغُرفة جيداً، ووَضعت على بابها الخشبي صورة لإبنها الآخر الذي أُستشهد، أصبح الفُضول يَنمو في نفسي مثل شَجرة، وبجانب هذه الشجرة تَنمو شجرة خوف أكبر منها، لم أعد أريد أن أرى جُرح اصبعي الذي أتى في غير موعده مرة أخرى، مَع الوَقت.. تُركت الغُرفة للمطر ينهش سطحها، حيث أصبح  المطر التي يَنزل على سَطها يصل إلى أرض البيت، السطح مُتشقق بكثرة مثل خيوط العنكبوت، الشُباك يَكاد يَقع من كُثرة الصدأ، باب الغُرفة الخشبي قد فَتح النَمل فيه طُرقاً ومداخل احتياطية..


في إحدى الجولات التفقدية من أحد موظفين وكالة الغوث، أقر أن البيت خطير على السكن، وأنه يجب العمل حالاً على ترميمه، وتم رفع طلب سريع إلى مركز الدعم لأكمال المُخطط، لم يَصل أي شيء، وبقيت الغُرفة على حالها،
في قرارة نفسي، شَعرت بأن جدتي لا تُحب هذا المشروع، وأن موافقتها لا تتعدى هزَ رأسها قليلاً، وأنها تشعر بأن من يتجرأ على فَتح الغُرفة، يتجرأ على فتح قبر، فجدتي مع الأيام، غيّرت أجمل غُرف البيت، إلى قَبر الذكريات هذا.


وَجدت بانها لا زالت تحتفظ بالخزانة نَفسها، واسطوانات ابنها، وصور جدي، وبَعض ملابس ابنها الصغير، وألعاب ينساها أطفال أبنائها أيضاً، الغطاءات والوسائد، الأقلام والصُحف القديمة.

 

أيام الصيف والشتاء كانت تسنح لنا الفرصة لزيارة بُستان جدي، كُنا نذهب لزيارته في الصباح ونعود لبيوتنا في المساء،
في الصيف نركض بين الأتربة لنقطف كُل شيء يؤكل، التوت والعنب والتين والبقدونس..الخ، ونَشرب من مياه النبع مباشرة،

في الشتاء، كُنا نَعد موقداً كبيراً من الحجارة، ونشعل ناراً، ونضع وعاء كبيراً ونترك الماء فيه ليغلي، في الوقت ما بين ذلك،
نَجمع ما توفر من محاصيل الشتاء، الذرة أو الفول الأخضر، نُقشرها ونقطعها ونطبخها حتى تنضج، ثم نعود لدعوة الجَميع لمشاركتنا فيها، كانت أفعالنا تُثير غضب جدي باستمرار، فهو في جميع الحالات لا تروق له أفعال الصغار، عدى أنها أشياء مُكلفة، فالكميات الكبيرة التي نَسلقها، كانت ستعود عليه ببعض النقود.

وكان هُناك وقت من السنة، لا يكون في بستان جدي سوى بعض البقدونس والنعنع، لم نَكن نَعرف ماذا نأكل، تَعلمنا بَعدها أكل لُب الأشواك "الخُرفيش" علمتني جَدتي كيف نرفع عنه الأشواك ونأكله. ذات يوم وفي موسم العنب، ذهبت لأقطف بَعضا منه، بدأت بذلك، وجمعت الكثير، وفي لحظة ما قررت أن أحصل على شيء مُميز، فمددت نظري لناحية قُطف مُتدلٍ من بَعيد، ومددت يدي، كان قُطفاً بَعيداً بحيث استعملت كامل كتفي لأصل إليه،  فإذ بي أضع يدي بوسط بيت للنحل! لسعتني نَحلات في في يدي، وصرت أركض في كل ناحية، وأصرخ من الألم، وَجدت صديق أبي يَصرخ من بَعيد ويقول  " حُط إيدك بالطين"  غرستها مُباشرة، شَعرت ببرودة لا أزال أذكرها حتّى اليوم، أراحت كُل صَرخاتي، وأزالت كُل آلام يدي دُفعة واحدة.

في أيام الحرث، يستأجر جدي سائق محراث لبضع ساعات، يغير ملامح الأرض بسرعة ويرحل، تُحوم فوقه الغُربان، لتأكل ما يَخرج من الأرض من حبوب وديدان، الغُربان لا تَخاف البَشر، كنت أحاول إخافتها دائما، لكنها تَبقى حتّى أصل قربها مُباشرة وتطير ثُم تنزل على بُعد أمتار قليلة، أدور برأسي فأجد أن جميعها قد عاد مَكانه، أواصل الجري من هُنا لهُناك، في أوساط ما يتم حرثه، يبدأ جدي بتحذيراته، تَنتهي الجولة المُمتعة بالإبتعاد عن صوت جدي كثير التحذيرات.. جدي الذي اكتشفت لاحقاً بأنه يخاف الفرح كثيراً، ويحب الغربان!

 

 

مَع مرور الوَقت، طَغت عادات المدينة على العائلة، وتَرك الجميع البُستان وانتقل كُل واحد منهم إلى الوظائف الحكومية والتعليم، أصبح كُل منهم يملك منزلاً منفصلاً.. عائلة تَنمو بإستمرار بالأولاد والمال والنَسب.

كُل شيء تغير كما كان مُتوقعاً؛ إلّا أمزجتهم التي ظلَّت عالقة في رؤوسهم، انفصل عَقلي تدريجياً عن العائلة بَعد وفاة جدي، الذي كان بطريقة ما يربطنا بأشياء جَميلة لا يُظهرها، وبقيت جدتي التي لا تبدو مكتملة، فنسارع دوماً لنكون عندها ونَلتمس ما تَعرفه عن خلاصة أمور العائلة.


إحدى الأشياء التي كانت تُعجبني في جَدتي أنها تَنسى أننا صغار نوعاً ما، فتُحدثني بأمور صَريحة جداً، أفرح لسماع تَلك الأشياء التي كانت تُشكل للمُراهقين أمثالنا لُغزاً مُبهماً، تَضحك جدتي لضحكتنا، غير مدركة لماذا نَبتسم بوجوه بَعضنا ونُمسك شفاهنا بأسناننا، لسماعنا أشياء كنا نعتقدها وقحة، لكنها كانت تُكمل على أي حال.

حَدثتني عن عادات الزواج في الماضي، وكيف كان يُقرر الأهل أن الفَتاة مناسبة للزواج، لم يَكن هُناك وَقتٌ مُحددٌ لشيء.
جَدتي كانت تُحدثني كيف أنها تَزوجت بعُمر 14 عاماً، وكيف اقتُلعت من عائلتها لبيت زوجها، صارت إحدى شجرات الحَقل، تُشرق عليها الشَمس وتَغرب، يداها مُتشربتان بالطين، بَشرتها تَدخلها تَغيرات الجو كافة، عيناها يُصبحان حمراوان من التَعب كُل مساء، قدماها مُتشققتان  من بلّة الطين، لكنها كانت تَحسد نَفسها على وجود مثل تلك الأشياء فيها، وكان الفرح يَبدو في عينيها باستمرار.

عند ذكر سيرة جَدي لها، تَذكر فضائله للحظات، ثم ما تَلبث أن تُحصي المرات التي ضَربها فيها لأسباب كأن تتكلم أو تخرج  مع نساء الحي، ثٌم تُكمل بَقية الكلام في سَرد طريقة تعامله معها عندما كبر، وكيف أصبح يتأسف لها يومياً قَبل النوم، وكيف كان يُحضر لها الحلويات مثل فتاة صَغيرة، وكيف أصبح يشعر بالغُربة والوحدة عندما لا تَكون بجانبه، جَدتي تُدرك حاجة جدي لها مُنذ أول يوم تَزوجا، وجَدي أدرك حاجته لها في آخر أيام حياته.

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.