29 آب/ أغسطس، 1987
الكلمة

كانت مهمته أن يرى عيوبنا، مهنته النقد وهذه مهنة صعبة في مجتمعات تخاف النقد وتحاربه

وتشيطنه.

 

كان مرآتهم التي أجبرهم أن يروا فيها عيوبهم، وهذا كان يكفي ليخلق له الكثير من الأعداء. لم يكن لديه آلهة ولا رموز ولا خطوط حمر، لا يعرف سوى خط أحمر وحيد هو التطبيع والحديث مع المحتل.

كان عدو الأنظمة المسيطرة وتلك الخانعة، ضد كل المؤسسات ما دامت فاسدة وذات بوصلة معطوبة؛ كأناركي يقف وحيداً.

هو الناجي بكرامته، خلافاً للناجين بالسلطة والمال. كان يخاف المال وينظر إليه كمفسدة تحرفه عن طريق النضال. لم يفكر يوماً بسلطة ولا بأضواء، الفنان الذي شغل العالم العربي قاطبة، قلما نجد له حوارات في جرائد أو لقاءات مصورة، إذ كان يعيش لمهمة واحدة متمثلة في مقاومة المحتل وفضح الضعف السياسي الذي لطالما كان أداة لذاك المحتل.

لهذا نجده الآن حاضراً في كل شوارع فلسطين، ابن المخيم حافي القدمين لا أحد تواجد في فلسطين كما يتواجد فيها الآن؛ أيقونة للكرامة والمقاومة لا الخنوع والاستسلام.

من قتل ناجي العلي سؤال قد يهم عائلته، وخارج ذلك تتضاءل أهمية الإجابة عليه. لا يهم فعلاً أن نعرف من قتل ناجي العلي بالتحديد، أو تفصيل إلى من تنتمي الرصاصة الغادرة، قُتل الفنان من الخلف حاله كحال شعب بأكمله ما زال يقتل من الخلف منذ أكثر من ٧٠ عاماً. من استهدف ناجي العلي كان يستهدف الوعي الفلسطيني والعربي. لكن هذا الوعي الذي حورب بالرصاص والمؤسسات على مدى عقود سيبقى قادراً على مفاجأة خصومه دائماً، هذا الوعي سيظل يطاردهم، نصادفه كل يوم في أزقة وشوارع الوطن المحتل، متمثلاً بجيل جديد يرفض الهزيمة و"الحلول" التي طحنت الكرامات وضيّعت الحقوق. جيل كان للتو قد دخل العالم فاتحاً أعينه الحمراء على حديد يحرث السماوات والأرض؛ بينما كان العلي يرقد في مشفاه في لندن واثقاً بأن "هناك من سيواصل الطريق".

 

طارق حمدان

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.