جيفارا في بيروت
أيمن حسونة

مُلقى على جنبٍ أو على فمه، كأي كأسٍ ورقيه، أو زجاجية، لا فرق بين النومتين، صاحبه يبصق ورق السيجار العريض

وهو يهش الطفلُ الذي جاء يسأل العَبدَ بعد أن تخلى عنه الله: "رووووح عنا ياااه، طلاااع برّاا المحل ولا بناديلك اللي بيشتغلو هون".

 

"جيفارا مات.. "

وصمتت "الراديوهات" بعد أن مات. لم يعرف جيفارا "البورش" و "الفيراري"، لكنه صار يركبها، على "تي-شيرت" أو طاقية تميلُ نحو اليسار.. (حدا فيكم يحكي للناس إنّه هالطاقية بتزبطش مع الـ Ray Ban).

شربنا عرق الثورات وتمنيّنا أن يكون لهذا العَرق نتيجة، صحونا على "هانج أوفر" وما نزال ندفع ثمنه، قبضة حجرية، وليست حديدية كأنها "الروشة" على صدورنا، بلد معطّل، لا رئيس.. لايهم مهما طال الزمن، لا عمّال نظافة.. اختنقنا بعد يومين، من يهم أكثر أيها الشعب؟

لا رئيس ولا حكومة، والبلد ماشي كتّر خير الله، الناس منهكين يا صديقي، حتّى الكلمة المنقوشة على الحائط تكّت، كأنها تدمع، البحر لا يروي، ولا الجبل يُرمي الهواء الذي نريده.. حبسووه يا خييّ.

"جيفارا مات..آخر خبر في الراديوهات"

أنا مع المضطهدين، لكنّي أكُشُّ الشحّاذ إن وسّخ نافذة سيارتي.

"تنين أمريكان وواحد إسبرسو بدّي عزبك".

جيفارا يتقلب، يموت للمرّة الألف وأنت تضع التشكيل المعدني الذي يحمل صورته على طاقيتك يا صديقي، فهو، "وستاربكس" كالزيت والماء.. لا يجتمعان.

.....

بيروت، بنت المتوسط. بيروت المنهكة من الحروب والتقسيم، السياسيين وأصحاب النفوذ، المؤامرات والصفقات.

اللغة تضيع، الدال ضاد، والسين صاد. الصيادون يقتاتون على شبه الأسماك. يبخل البحر بما يحويه لجفاف الأرصفة، كجفاف الحلق بعدَ الركض. "وينوا الله؟" تسمعهما إستفهاماً وإستنكاراً، لم يعد أحدٌ هناك، تفكر قليلاً لتكتشف أنه بالأصل، لم يكُن أحدٌ هناك.

".. آخر خبر في الراديوهات"

سلّعناك، سلّعناك، وماتت الفكرة، شوهنا الصورة، قتلنا الإحساس، وأعدمنا التعبير.

خلطة "الإسبرسو" لم تكن قوية هذه المرّة، "روووح طلاع برّا المحل"، والله لم يعد للفقير، الريموت يتحكم بقوة "كونديشن البورش"، وهو؛ يعدّل نظّارته للمرة العاشرة، ويضع الطاقية على الطاولة كي لا يسرقها "الشحّاذ"..

السيجار العريض لا يُشعل بقدّاحة عتيقة، لولا الـ S.T Dupont، لما شممنا الرائحة.

"..وفي الكنايس، وفي الجوامع.."

وفي كل مكان، جيفارا مات.

"أحس على وجهي بألم كلّ صفعة توجه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم، فذاك هو موطني"

آرنستو تشي جيفارا.

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.