نسيان متعمد
روان نصر الدين

أخاف من صوت الماء الكثيف، يذكّرني بالانتحار والغرق، لذلك كنت أنزع أذنيّ قبل الدخول إلى الحمام، لأتجنّب التفكير

في كل هذا. أخبرتني جولي أن هذا التصرف سيفقدني متعة الاستماع للموسيقى أثناء الاستحمام، فهي تتخيل أنها بطلة فيلم سينمائي في هذه المشاهد، وكنت أصدقها، فقد كانت جميلة، جميلة جداً.

 

 

يوم الإثنين عند انتهائي من الاستحمام نسيت أذني في المغسلة، يبدو أنها انزلقت عن غير قصد، فقداني لحاسة السمع كان يفقدني التركيز فيما يحدث حولي، هذا معروف!

خرجت مسرعاً يومها كعادتي، يومي فارغ من كل شيء، لذلك أحاول التظاهر بالعجلة لارتباطي بأحدهم، من الممكن أن تراني راكضاً قبل أن يقفل باب المترو، الذي لا أعرف إلى أين سيقودني، المهم النشوة التي كانت تعتريني لأن أحدهم ينتظرني. في كل مرة كنت أخرج وحيداً على أمل أن أعود برفقة أحدهم، حتى وإن كان كلباً صغيراً مسالماً، أو عصفوراً ذو ساق مكسورة، سأصلحها له، وسأكون صديقاً جيداً له أنا متأكد من ذلك.

 

يبدو أن نظراتي كانت مريبة للناس، فأنا لا أبدو كالوحيدين السعيدين بوحدتهم، كنت من ضمنهم قبل أن تسافر جولي، ولكن الآن، أنا حرفياً أخرج للبحث عن أي كائن حي يشاركني شقتي الصغيرة المرتبة بدقة، المنتظرة قدوم أحدهم. كان رأسي لا يكف عن التحرك يميناً ويساراً علّي أجد أحدهم، أحلل الأصوات، وأسأل نفسي، هل ناداني أحد؟ هل تحدث عني؟ هل ابتسم لي؟ ما معنى ذلك؟ لماذا يوزّع الناس ابتساماتهم بالمجان إذا لم يكونوا يعنون شيئاً، إنهم لا يكفون عن التلاعب بمشاعرنا.

 

عدت إلى المنزل مع نبتة صبار جديدة، وعند استرجاعي لأحداث يومي البائس، تذكرت أني لم أكن ألتفت للجهة اليمنى اليوم، تحسست مكان أذني ولم أجدها، ركضت أبحث عنها كالمجنون، هل من الممكن أن أحدهم كان يناديني من الجهة اليمنى وتجاهلته؟ يا لغبائي، لن أغفر لنفسي هذه الخطيئة. مع ذلك كان شعوراً جميلاً أن تشعر بأنك تجاهلت أحدهم رغم رغبته فيك.

 

استيقظت وخرجت مسرعاً في اليوم التالي، تفقدت أذنيّ، وبدأ رأسي بالتحرك يميناً ويساراً، للأسف لم يكن أحدهم في الجهة اليمنى، يبدو أنه لم ينادني أحدهم، لا اليوم ولا البارحة.

 

أصبح الإثنين يومي المفضل، أتعمّد فيه نسيان إحدى أذنيّ، لأشعر بالشعور الأول، أنه من الممكن أن أحدهم يرغب في التحدث إلي من الجهة التي لا أسمع بها، شعور بأني أتجاهل أحدهم، بأني مرغوب فيه من أحدهم، أو أن أحدهم يحتاجني، غير صبّارتي.

 

 

رام الله، فلسطين

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.