فيلم قصير
منذر جوابرة

وأنا أرسم هرباً من الوقت ويداي ملطختان بالألوان، يرن الهاتف ليكون على الجهة الأخرى صديقٌ يحاول أن ينسق لنا الهروب

هذه الليلة من البيت "لشمة الهوا" في مدينتنا الكبيرة، فأعتذر منه لأن فكرة مثل هذه تحتاج لكثير من الوقت والتحضير والتنسيق، وهي بحاجة لتهيئة نفسية معقدة، فليست بهذه السهولة تكون "شمة الهوا"، ربما أي نوع من المغامرة أهون من هذه الفكرة. لذا علينا يا صديقي أن نلتقي غداً مساءً، الساعة العاشرة سأكون جاهزاً، فتكون العصافير قد نامت، ولن يكون بالشارع غيرنا وبعضاً من الكلاب الضالة، وهذا يليق بنا، ويليق بعوائنا معاً.

 

 

في اليوم التالي، وقبل الموعد بساعتين تقريباً، أبدأ بتوضيب وتحضير نفسي للعملية المعقدة وهي الخروج ليلاً لتغيير الجو، أتناول وجبة العشاء، أشرب كثيراً من القهوة، أدخن بضع سجائر، أستحم بعطرٍ ثمين خوفاً من رائحتي العفنة؛ وأبدأ بمراقبة الهاتف النقال في انتظار وصوله أمام البيت للانطلاق إلى شوارع المدينة.

قبل الموعد بنصف ساعة يتم التأكيد على الاستعداد والحضور، حسب التعليمات المعروفة من قِبلنا.

أي خلل في الوقت يعني إلغاء العملية، فالوقت لا يحتمل تغيير إجراءات الاتفاق والتحضير. وعلى الموعد المحدد الساعة العاشرة، يرن الهاتف، يخبرني بوصوله و انتظاره على باب البيت، فكلمة السر "رن واطفِ" وتأكيداً مني أطل من النافذة لأتأكد من انتظاره وأنزل متمختراً متمايل الرأس، فهناك من ينتظرني.

آخر السلم أنزل مهرولاً كنوع من الجدية! أدخل السيارة، نجلس حوالي عشر دقائق نفكر أين يمكننا الذهاب! ما هي المنطقة المسموح لنا التجول بها في هذه الساعة، وكيف نسير أحراراً دون شبهات، أو في منطقة آمنة بعيدة عن الحواجز أو أحد يطلب بطاقاتنا الشخصية… نفكر كثيراً، حالة عصف ذهني شديد، نقرر أخيراً الذهاب لشارع المهد أو الشارع الجديد كما يحب أن يسميه البعض.

 

نفكر بالموضوع جلياً، فالمسافة بعيدة جداً، تقدر المسافة بثلاثة كيلومترات، لكن في النهاية ليس لنا إلا هذا المكان، ننطلق بالسيارة ونحن نهمهم طوال الطريق، ونلعن الحال، والناس، والمارين، و المختبئين في البيوت، والذين يسيرون  على الشارع.. الخ، فليس هناك الكثير من المواضيع لنحكي فيها، واللعنة تجوز على الجميع وبكل الأحوال، وتصيبنا هستيريا الضحك. لشعورنا أننا الكلاب الضالة الوحيدة التي تفعل هذا التخريب.

نصل المكان بعد خمس دقائق، أشعل سيجارتي الثانية، ونحن واقفين على جانب الطريق، نفتح النوافذ مرة أخرى "لنشم الهوا" فقد أصبح الهواء الآن ضرورياً بعد أن عبقت السجائر بدخانها في مساحة مغلقة، وهو شعور يشبع حاجتنا "بشمة الهوا" وللإحساس المتزايد بالرحلة الطويلة وأننا نعيش أجواء جديدة ومختلفة، نتناول بعض الممنوعات ونبدأ بالحزن، فهذه النقطة هي نهاية الرحلة، ولا مجال للتفكير بأكثر من ذلك.

 

نعود بالسيارة محاولين البحث عن شارع مختلف عن الذي أتينا منه، فرحلة العودة معبأة بالأحلام والحزن، وتخيل لمشاهدٍ لا يمكن حتى لهوليود أن تنتجها.

أنا: تخيل لو البلد فاتحة ع بعض وبنقدر نكمل لحيفا

هو: والله وأنا إلا أظل نازل والبنزين ع حسابي

أنا: لأنك متأكد مش راح نقدر نصل بتتبرع ببنزيناتك يا مصدي

نضحك..

 

ثم نعود لنحلم لو أن الطرق بلا حواجز ولا جدار، لكنّا الآن في طريقنا إلى حيفا، المشهد جداً بسيط، سنملأ السيارة ببعض الأشياء التي تليق بهذا المشوار، ونستمع للموسيقى على صوت محمد عبد الوهاب، ولن نتحدث لأننا سنستمتع بصوت الموسيقى، والهواء الذي يخترق شقوق نوافذ السيارة، ونطل على البحر وعلى الضوء، نطل بعيوننا ونحن جالسين على الأماكن المفتوحة، وتستطيع عيوننا أن ترى على مد البصر مناطق مؤهلة للطيران.

بين الفينة والأخرى سنغلق النوافذ من برد الليل، ولكن ما أن نطل على حيفا، سنفتح نوافذ السيارة لنشم رائحة البحر، ونسمع صوته من بعد مسافات، فنحن آتون من أجله.

بعد أن نصل البحر، سنهاتف رفاقنا هناك، ويمكنهم أن ينضموا إلينا إن استطاعوا وكان لديهم متسع من الوقت، أما نحن فسنسهر للصباح على شاطئ البحر، وسننتظر شروق الشمس، لنلتقط بعض الصور، ونغسل أرواحنا قليلاً.

بعدها سنذهب لنتناول وجبة الحمص والفلافل في إحدى المطاعم القديمة، ونشرب كأسين من الشاي مع الميرمية، ونتسكع قليلاً لنعود من حيث كنا، نرتب موعد آخر في آخر الشهر.

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.