القصّة لم تنتهِ هنا
عبد المعطي مقبول

هو أيضاً استيقظ من نومه باكراً، لكنّه لم يشرب كوبَ الحليب، ولا ارتدى ثيابه الأنيقة

متوجهاً نحو مدرسته، هم فعلوا، ودّعتهمْ أمهاتهم بقبلةٍ وابتسامة،

 

لكنّ أمّه ودّعته بأسىً يقطّعُ أواصرَها، جهّزتْ له حمولة اليوم من ساعات الفجر الأولى.

ارتدى ملابسه البالية، المرقعة في أغلبها، لم يغسل وجهه، لأنّه يعلمُ أنّ صفاءه لن يدوم، ثمّ توجّه نحوَ دَوَامِهِ غير المعتاد، نعم لم يعد معتاداً منذ وفاة والده، ثمّ انقطاعهِ عن مدرسته، ليصيرَ العائلَ الوحيدَ لأهلهِ الآن.

خرجَ من بابِ المخيّم حاملاً -أكياس- شقائه، شدّ الخطى لسوق البلدْ، تناولَ مفتاح تلك -الزقة- التي يركن فيها عربة رزقه، ثمّ بدأ بتجهيز بضاعته، شقّ أكياسَ الشّراب -التمر الهندي والليمون والفراولة- ثم أضاف إليها الماء والثلج، وقالَ بصوتهِ الذي لم تكسوه صبغة البلوغ بعد كما علمته والدته «بسم الله وعلى بركته».

كانَ صوتُ الجرسِ هناك في المدرسة يُعلنُ بداية الحصّة الأولى، وفي نفس الوقت معلناً انطلاق حمود في سوق البلدة القديمة من ناحية الجامع الكبير وقد خرج من الزقاق.

مشهدٌ لا يمكنُ لعينٍ بشريةٍ تَقبّله بارتياح، تنظرُ فترى كتلة ضخمة تشقّ طريقها وسط الزّحام، تبحثُ بكلّ استغرابٍ كيف تسير!؟ تنتبه لألوان الماء السوداء والصفراء والحمراء في صراع مع واجهاتها الزّجاجية، ترتطم بها ما بين الثواني مرتفعة منخفضة، والسببُ نتوءات الأرض، تحاولُ جاهداً الوصول لمن يقود، فهذا مشهدٌ بصريٌ غير مكتمل، ثم أخيراً بعد تجاوزك لذاك القطار، الذي يطولك ارتفاعاً، وبعجائب هذا الزّمان، تعلمُ أنّ طفلاً لم يتجاوز الرابعة عشرة بعد؛ بيديه الصغيرتين يوجّه دفة القيادة.

سيلٌ من البشر في المكان، وحمود كأنّه يسيرُ عكس التيّار، تُقابله من أمام عربته مُجتمِعة، ثم تنقسم نصفين، هو يختلسُ النّظر من اليمين تارة ومن الشمال أخرى ليعلم أين صار به المآل، يقفز محاولاً الضغط على دفتيّ القيادة لتغيير الاتجاه، لكنّه يظلّ طائراً في الهواء، فوزنه لا يُحرّك ذاك الجبل، لا تعلم إلى أين يشقّ خطاه، فإن كانَ بائعاً هو الآن يسوق، يسوق وحسب، وذرّاتُ عرق برزت على جبينه الصّغير، وكلماتٌ قاسية تُوَجّه لمسمعه، تخبره أنْ أفسح الطريق «لا فهم ولا استفهام، ابعدْ يا ولد، ولك خلصنا بدنا نمشي»، ولكي تبلغ الأمور ذراها، وقبلَ «عين السّكر» بقليل، وفي هذا الجوّ المشحون الكئيب، أعلنَ أحد إطارات العربة استسلامه، فلم يعد قادراً على تحمل ذاك الوزن، ولفظ الهواء من داخله، ليستقر على الأرض، مُعلناً وقوف العربة وسط الطريق.

نظر حمود لذاك الإطار، والمسافة بينهما ليست بالبعيدة، شحوبٌ ساد وجهه فأحال سواد بشرته ظلمة وقتامة، ثمّ زاد على المشهد عناصر جديدة، أصحاب المحلات التجارية الذين بدؤوا بالصراخ من حيث أماكنهم «ولك يلّا حرك، ادحلْ من هون، بدنا نترزق» وحمود تسمّر في مكانه.

في لحظةٍ علم أنّه لا بدّ أنْ يتصرف، وبحركةٍ غير مدروسة، بحث في درج عربته ليجد منفاخ هواء تناوله سريعاً وجثا إلى جانب الإطار القتيل، حاولَ جاهداً أن يُدخل فوهة المنفاخ بفوهة الإطار، لكن وكأنّ الأبوابَ أقفلت جميعاً في ذات اللحظة، وكأن جنيـّاً واقفا هناك يمنع ذاك الدخول، والناس زادت شدة وتيرتها، وعلت أصواتها بالسبّ والشتم، تجمّع حوله بعض المارّة، ينظرون لبؤس حاله، ويزيدون الحمل عليه باستعجالهم له فقد آذى حقّ الطريق.

إلى أنْ دخلت الفوهتان والتقتا أخيراً، انتفض سريعاً يعتريه فرح الأطفال بحصولهم على لعبة جديدة وليبدأ نفخ الهواء، لكن.. عبثاً، فأحد الأبواب المقفلة أيضاً، أنّ المنفاخ معطوب، لا يبثّ الهواء.

في تلك اللحظة وأيدي حمود الصغيرة تحاول وتحاول، جاءت أيدٍ كبيرة، أمسكت بجسم ذاك المنفاخ، لكن.. لم يكن هدفها تقديم مساعدة، إنّما رفعته تريد أن تضرب به رأس حمود، كان صاحب الملحمة التي يدور المشهد أمامها، قد ضاق ذرعاً وخرج يُنهي العبث الحاصل، بعصبيّة زائدة وعروقه أطنبت وجهه، انهال على الفتى الصّغير بكل ما لديه من أشنع السباب، وضربه ضرباتٍ على ظهره الصغير، ثم توجّه اللحام إلى حيث دفتيّ القيادة، ودفع العربة بإطارها المتهرئ إلى الأمام، وسحب حمود من قميصه وقذفه بعيداً قائلاً له أن لا يقترب من هذا المكان مجدداً.

وأنا أرقبُ المشهد الحاصل من بعيد -لا أحرّك ساكناً- ثم رأيت الفتى يرمي المنفاخ أرضاً، وشحوبٌ يكسو وجهه، ودمعاتٌ محبوسة في عينيه، وأنفاسٌ متثاقلة مُتسارعة تخرج من صدره، تنبئ أن انفجاراً في الداخل هزّ الأركان، ونظراتٌ منه إلى ذاك الرجل أولاً، ثم جالت في المكان، نظرتْ إلى كل تلك المحال، ومرّت على كل النّاس، من وقف منهم ينظر إلى المشهد وابتسم لطرافة الحدث، ومن كان منهم يسيرُ لا يُعير الحدث أدنى اهتمام، ثمّ أخذ نفساً من أعمق نقطةٍ في صدره، ودفع تلك العربة التي أصبح وزنها مضاعفاً، وسار بها، إلى أن وصل أمامي، سمعته يقول شيئاً، ركزت السمع، إلى أن هزتني الكلمات، وجدته يسبّ الذات الإلهية لذاك اللحام، ولكل الواقفين، كنت على تمام اليقين أن تلك الكلماتْ تخرج من فمه الصغير للمرة الأولى، وأنا أرقبه يسيرُ متثاقلاً للأمام، إلى أن اختفى بين النّاس، صورةٌ طبعت في رأسي، تخبرني أنّها باقية لآخر العمر.. أجهل لِمَ وقفتُ صامتاً أمام ذاك المشهد، لكنّي أعلمُ أنّ القصّة لم تنتهِ هنا.. فلكم أن تكملوها.. وتتخيلوا إلامَ سيصير هذا من بعد.

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.