جوعى الحُريّة
شعبان حسونة

في ليلة، ككل الليالي التي سبقتها في عزل بئر السبع، حيثُ الافتقار القاتل للأُنسة، والزنزانة المظلمة

، وصراخ المساجين المدنيين الفاحش.. جاءني صوت آخر من السجان

 

ليعلمني بأني مُرَحّلٌ إلى سجن عسقلان، صباح الغد.

 

كنت حينها أُسلي عزلتي بارتجال الشعر. ولم أكنْ بشاعر، ولا ما أقوله بشعر.. ولكنني كنت أتخيل نفسي شاعراً، كما وكنت أتخيّل نفسي في أحايين أخرى، خطيباً، وأمامي جمهور غفير، يصفق لعباراتي العصماء الملتهبة المشاعر، وأتخيل نفسي بطلاً من أبطال الكاراتيه، وأؤدي عرضاً مثيراً. وبعد انتهائي من ارتجال الكلمات والحركات.. أعود لأجلس على برشي، وأفكر قليلاً إذ ما كنت في طريقي إلى الجنون، بما تسيرني إليه الوحدة من أفعال جنونية.

فتح السجان كوة الباب، وقال لي من خلالها:

حزِّم كل أمتعتك، في الصباح سترحل إلى عسقلان.

توقفت عن ارتجال الشعر. وأمسكتني لحظة انشداه.

أتقول إني مُرحّل إلى عسقلان؟!

ولكن السجان لم يكن موجوداً، والكوة كانت مغلقة. فأجبت نفسي بنفسي: «أجلّ، غداً مُرحّل إلى عسقلان». وعدت إلى برشي لأناقش أبعاد ترحيلي مع نفسي، ولأسامرها، فإنه قد حان وقت السمر. الوحدة جعلتني أكتشف في نفسي صديقاً جيداً.

في الصباح، لم أجد ما أحزمه من متاع سوى ذكرياتي عن المكان المهيب، وعندما وضعت قدمي الأولى في البوسطة التي ستقلّني إلى سجن عسقلان.. اجتاحني شعور رائع، لم يجتحني مثل روعته.. إلا حينما أفرج عني من أسري السابق قبل عامين.

وهناك، في عسقلان استقبلني الشباب بحفاوة مبالغ فيها، لم أعرف من الوجوه التي استقبلتني إلا وجهيّ شريكاي في القضية التي اعتقلت بسببها، ولكن كان هناك شاب أسمر، متوسط القائمة، في الثلاثين من عمره، يرسل لحية سوداء كالليل، كانوا يلقبونه «أبو فارس»، أبدى في تعامله معي حميمية كبيرة، أشعرتني بأن شخصيته مألوفة لديّ، وبعد ثلاثة أيام من وصولي عسقلان قلت له:

أشعر بأني أعرفك منذ زمن بعيد.

فضحك، وقال:

ألم تعرفني بعد؟!

أمعنت النظر في وجهه، فلم أكتشف شيئاً جديداً في ملامحه، وبحثت عن شخص واحد أعرفه يُدعى أبو فارس، فلم أجد. فقال، وأنا ما زلت أمعن فيه النظر:

تذكر جيداً. ألم تسمع هذا الصوت الهادئ من قبل؟ فالناس تُعرف من أصواتهم أيضاً.

ففتشت  في ذاكرتي عن ذلك الصوت الهادئ الواثق، وسرعان ما تذكرته.

أنت شاكر العزيزي. كيف لم أعرفك من اللحظة الأولى.. رغم كل لقاءاتنا في عزل بئر السبع؟

فقال بصوته الهادئ دائماً:

إنني أعذرك. فلقاءاتنا ما كانت إلا لقاءات صوتية. فإنني كنت أحدثك عندما كنت أخرج للنزهة، عبر شباك غرفتك المغلق بألواح الحديد، دون أن أراك ولا تراني.

 

* * *

 

عزلتي الطويلة في بئر السبع جعلتني غريباً وغشيماً في هذه الحياة.. وكأني بعثت إلى الحياة من بعد موت مئة عام. الكثير من الأحداث استجدّت، ولم يكن لي بها علم، حيث كانت كل وسائل اتصالي بالخارج مقطوعة، في وقت كانت أخبار التبادل على أشدها. كان الخبر الرئيسي الذي يتصدر نشرات الأخبار هو الإفراج عن الرهائن في لبنان، والرسائل المتبادلة بين «خفير بيرير ديكويار»–الاسم الذي كان أكثر طرباً لمسامع الأسرى في حينها -ومنظمة الجهاد الإسلامي. جعلتنا تلك الأخبار نعد الدقائق لساعة التبادل. قلت لأحد المسؤولين من المعتقلين:

بما نسمعه من أخبار فإننا سنكون في بيوتنا في غضون شهر على الأكثر.

استنكر المسؤول، وقال غاضباً:

شهر؟! أنت متشائم جداً.. لن يمضي علينا أسبوع آخر في السجن.

الوحيد الذي لم يتفاعل مع تلك الأخبار كان شاكر. كان يبدو متشائماً جداً، وهو يخفف من أهمية أخبار التبادل التي كانت تسد أمامنا الأفق. وأشد ما كنت منه مستاءً عندما أسمعه يُردد دون كلل:

«طالما أن إسرائيل تتحدث عن صفقة لتبادل الأسرى، فلن يكون هناك أي تبادل. وحين تنكر إسرائيل وجود عملية تبادل حينها فقط تأكد بأن هناك عملية تبادل يتم الإعداد لها».

«إذا حلل أحد المعتقلين تحليلاً عن التبادل يرضي نفوس المعتقلين التوّاقة للحرية، فإنه بعد أقل من ساعة واحدة يتحول التحليل إلى خبر رسمي».

ورغم أن كل ما كان يردده شاكر، كان أقرب إلى القبول من الناحية العقلية.. إلا أنني شأن الآخرين، كنت لا أقبل بقوله، وأميل إلى تصديق من يتكلمون عن التبادل، وإن كنت أعلم مسبقاً أن في كلامهم الشيء الكثير من المبالغة، وأحياناً الإشاعة البحتة. كنا نفضّل التعلق بالسراب على التسليم بالواقع المرّ، رغم يقيننا بأن السراب سوف يرهقنا ركضاً خلفه بلا طائل.

 

من الطريف أن أحد المعتقلين كان عندما يستيقظ من النوم يقول: «هل من أحد لديه خبر التبادل ولو كان كاذباً؟»

لم أستجب لكل نصائح شاكر. وكنت أخوض مع الخائضين.

وأربط كما يربط المعتقلين بين أي خبر سياسي وتحرُّك لإدارة السجن، وبين التبادل. في تفكيري أصبح كل شيء له علاقة بعملية التبادل؛ حتى لو حدثت أزمة اقتصادية في طوكيو لأوجدتُ لها صلة بعملية التبادل. وبهذا صرت محل تندّر الزملاء. لم أكن أغضب حينما يأتيني أحد الأخوة حاملاً خبراً رياضياً مثلاً، ويطلب مني مازحاً، أن أربط بينه وبين عملية التبادل، بل كنت أجاري الأخوة في مزاحهم، وأوجد صلات وهمية بين ما يحملون من أخبار، وبين عملية التبادل.

وفي إحدى أيام الزيارات جاءني شاكر ليقول لي:

سأريك كيف يتحول التحليل أو التوقع إلى خبر رسمي.

وأخذني لأبي هاني؛ أحد المهتمين جداً بأخبار التبادل، وقال أمامه:

أتوقع أن يتم التبادل يوم (9/9)، وأتوقع أن يكون اسمك واسمي في مقدمة قائمة المفرج عنها.

وتركه، ثم قال لي:

سترى كيف توقعي هذا سيأتي اليوم من الخارج كخبر رسمي.

وفعلاً بعد ساعات معدودة، عاد أكثر من معتقل من الزيارة، وهو يحمل توقع شاكر كخبر رسمي من القيادة في الخارج. فسألته:

كيف تم ذلك؟

فقال:

تعمدت أن أقول ذلك، قبل أن يخرج أبو هاني للزيارة.. لينقل توقعي لأهله، وأهله بدورهم أفشوا توقّعي بين الأهالي، والأهالي بدورهم أعادوا التوقع لأبنائهم كخبرمواساةً لأبنائهم. والأبناء يحملون الخبر إلى السجن بصيغ متعددة، والصيغة التي تحمل أكثر تفاؤلاً تكون أكثر إشاعة. والآن لو كشفت للمعتقلين عن حقيقة خبرهم الواعد فإن أحداً لن يلتفت لي.

بعد أن احترقت أعصاب الأسرى، بدأ الخبر المحرق يتراجع في نشرات الأخبار يوماً بعد يوم شيئاً فشيئاً، إلى أن تلاشى نهائياً، تاركاً الأسرى يبكونه كما لو أنهم يبكون أملاً لمع في الأفق القريب ثم انطفأ. وعاش الأسرى أياماً من الكآبة، صبوا خلالها سهام غضبهم على كل من نفخ نفخة في وهم التبادل، وجعل من أعصابهم ألعوبة. وكنت في ذلك كغيري أشعر بانفجارات في داخلي.

قال لي شاكر:

لكي لا تصل إلى هذه الحالة كنت أحذرك من التفاعل مع أخبار التبادل.

وصمت ملياً، ورأيت عينيه تلمعان تحت مسحة من الدمع. وشعرت بأنفاسه تخرج من صدره محترقة. ثم قال: في الخمسة والثمانين كنت مثلك تماماً.. أتشبث بأي خبر عن التبادل أياً كان مصدره أو صدقه. وكانت الأخبار عن التبادل، كما كانت قبل أيام قليلة، تداعب آمال المعتقلين بالحرية. ولكنها كانت أخبار حبلى بشيء من الصدق، في يوم سبت طلعت علينا إدارة سجن عسقلان بترتيب جديد للسجن؛ اختراق إدارة السجن لقداسة يوم سبتهم لا يكون إلا لأمر اضطراري. تشنّفت آذان المعتقلين، واشرأبت الأعناق خلف قضبان الشبابيك. كل تحرك للإدارة، صغير أو كبير، كان يتم ربطه فوراً بعملية التبادل. حتى إذا ما رأوا ورقة أو ملفاً يدور بين أيدي الشرطة حسبوه يحمل أسماء من سيشملهم التبادل. وإني لأعذرهم في ذلك. فالجائع يرى الطعام في كل شيء حتى في الحجارة. أو العطشان يرى في السراب ظمأه.

طلبت إدارة السجن لجنة الحوار لإشعار المعتقلين  بالترتيبات الجديدة:

«تعاونوا معنا في الترتيبات الجديدة لتسهيل عملية الإفراج. لا نريد اعتراضات أو مشاكل تعيق العملية. سنقوم بعملية نقل بين الأقسام، من خلالها نفرز أصحاب الأحكام العالية الذين سيفرج عنهم من أصحاب الأحكام الخفيفة».

تقبّلَ المعتقلون الترتيبات الجديدة، بصدور منشرحة، وقلوب تخفق رجاء بعدم ورود أسمائهم ضمن من سيُنقل إلى قسم ثمانية في عسقلان، القسم الذي خصص للمحرومين من عملية التبادل. وعند تلاوة الأسماء، كنت أشعر بقلبي يقفز مع كل نبضة من نبضاته.. حتى يصل إلى حنجرتي، ثم يعود إلى مكانه. وعندما سمعت اسم شاكر.. كادت دمعة فرح تفرُ من عيني، ولكنها توقفت.. عند ذكر اسم العائلة «عبد الحميد» لا «العزيزي»، وعاد قلبي إلى قفزاته حتى سمعت اسمي كاملاً «شاكر العزيزي». حينها فقط استقر قلبي في مكانه.. لا لم يستقر إنما تحول من القفز إلى الرقص.

وزّعت كل ما أمتلك على زملائي من الذين أفرزتهم إدارة السجن إلى قسم ثمانية، ولم أبقِ إلا على الملابس التي أرتديها، وهنأني الجميع بالإفراج الأكيد، وواسيت بدوري الذين يفترض عدم شمولهم في صفقة التبادل. كانت مشاعري، وأنا أواسيهم، مترددة بين الفرح لنفسي وللكثير من الزملاء، وبين حزني وأسفي لأولئك الذين سيظلون في السجن. كانت المسافة بيننا وبينهم، بحسابات الجغرافيا، صغيرة جداً، لا يفصل بيننا وبينهم سوى جدار أو بضع أمتار قليلة. ولكنها بحسابات المشاعر أكبر من الوصف.

وبمجرد دخولنا للأقسام المخصصة لنا، غلب علينا الطابع الإنساني، لم نفكر بشيء سوى الحياة التي فتحت لنا أحضانها من جديد.. نعم، بغير ذلك لم نفكر، حتى إخوة معاناة السجن، لم نفكر بهم إلّا قليلاً. نذكرهم ونأسف من أجلهم في لحظة، ثم نعود إلى أحلامنا في الحياة التي تنتظرنا.

كان حينها عندي في الغرفة كهل مسكين وبسيط، أمضى من حياته في السجن خمس عشرة سنة. سألته مداعباً:

ماذا ستفعل لو أنهم قالوا لك الآن: يا أبو عواد إنك جئت هنا بالخطأ، مكانك الصحيح في قسم ثمانية.

نظر إليَّ بعيون شاخصة، وكأنه غاب عن الوعي، ثم عاد ليقول:

سأموت.

فسأله آخر:

وماذا ستفعل لو أنك مت على باب السجن، وقبل أن تصل بيتك؟

فقال بسرعة:

لو مت.. سأُجَنْ!

فوقع كل من في الغرفة من شدة الضحك.

وقبل أن نفرغ من ضحكنا.. اقتحم علينا صوت شرطي، من بين قضبان الباب:

شاكر العزيزي، موجود هنا.

التفتّ إليه. كان يحمل سحنة مقرفة، وكان يبتسم ابتسامة غير مريحة.

نعم أنا شاكر العزيزي.

يا شاكر، أنت جئت هنا بالخطأ، مكانك الصحيح في قسم ثمانية.

شعرت حينها كأني كأس زجاج ساخن، ونزلت عليه قطرة ماء باردة، فأحالته إلى أنقاض. حاولت أن أتمالك نفسي، ولكنني لم أستطع. كدت أهوى على الأرض.. فهبّ الأخوة لمساعدتي. أعدت توازني، ورفضت أي مساعدة من أحد، وتحاملت على نفسي، محاولاً عبثاً إظهار عدم تأثري أمام ابتسامة الشرطي الشامتة.

هكذا وجدت نفسي بين ليلة وضحاها في قسم ثمانية. كانت جدران قسم ثمانية أشد كآبة من قبر. والمعتقلون هناك كانوا يستلقون على أسرتهم كالأموات. وما هي إلّا لحظات.. وحتى دخل علينا أبو عواد. وكان سبابه على إدارة السجن يسبقه إلينا. دفعوه داخل الغرفة، وأغلقوا عليه الباب، فأمسك بقضبان الباب، ولم يوقفه عن السباب إلَّا التعب، ووجد هو الآخر له سريراً فارغاً بجانبي.

ومرت علينا، على ذلك النحو، أيام عديدة. اليوم الواحد منها بألف.

والإذاعة الإسرائيلية كانت لا تثبت على خبر واحد يخص التبادل، في نشرتين متتاليتين. كانت في الصباح تذيع الخبر، وفي المساء تنفيه. حتى إننا كنا نودع المفرج عنهم عبر الشبابيك أثناء مرورهم من الساحة إلى خارج السجن حيث ستقلهم الحافلات.. والإذاعة الإسرائيلية تنفي خبر التبادل جملة وتفصيلاً.

لم يبقَ في سجن عسقلان إلّا بضع عشرات، لا يتجاوزون المائة. وساد سكون رهيب في أعقاب الانتهاء من إفراغ السجن ممن شملتهم قوائم التبادل. غير أنه فتح علينا ضابطان من شرطة السجن باب الغرفة، وكانا على عجلة من أمرهما، وتوجها إلى أبي عواد مباشرة.

ماذا تفعل هنا يا أبو عواد. هيا هيا بسببك لم تتحرك الحافلات بعد.

صرخ أبو عواد صرخة جنونية:

ماذا يعني؟

فقلت له، بصوت أقرب إلى الصراخ:

يعني إفراج يا أبا عواد.

وانطلقت حناجر المعتقلين، يهنئون أبا عواد في صخب، وكأنهم كانوا بضجيجهم يريدون أن يضعوا حداً لحالة الموت التي تخيّم على السجن.

من داخل سجون الاحتلال قبل سنوات

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.