خارطة طريق نحو التصفية
رنا بشارة

كانت خطواتي الأولى في فلسطين، في تلالها وجبالها وهضابها مشيت، ومن ينابيع مائه

ارتويت، ومن هواء جليلها تنسّمت. هكذا تكونت ملامح الوطن في داخلي، ومنها تشكلت ذاكرتي البصرية، لتصبح كالأيقونة التي لا تغيب عن مخيلتي.اليوم أعيش هذا الصراع اليومي بين ذاكرتي وواقعي الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي الذي انتهك حرمة كل شيء، وما يزال يفعل.

 

 

خارطة فلسطين التي حفظناها عن ظهر قلب باتت مجزأة ومشرذمة ومفككة، لا جغرافيَّتها جغرافيا، ولا طبيعتها طبيعة. احتلوها بكل المعاني، وصادروا حريتنا، وتحديداً مياهنا وأساليب زراعتنا القديمة، فصرنا عالقين معزولين في كنتونات وجيتوهات ومخيمات في حياة مصادرة، لا نعرف الهدوء ولا السكينة.

خارطة فلسطين وواقع شعبنا باتا في مهبِّ الريح، مثل الكثبان الرملية المتحركة التي لا تستكين، تغزوهما وتشوّه ملامحهما المستعمرات الصهيونية، بكتلها الاستيطانية والحواجز العسكرية التي أصبحت مصايد للإعدام والاعتقالات، وجدار الفصل العنصري، لتحولها إلى حياة مستحيلة. وحتى بصرياً، أصبح المشهد مزعجًا ومستحيلًا، مثل "هيكل عظمي لفلسطين التاريخية"، بعد أن سُلب منها كل شيء، وباتت تقسمها المستعمرات ببشاعة كتلها الإسمنتية وطغيان مستوطنيها، ‎وكل هذا  يظهر في الخرائط التي تكسو جدران هذا العمل التركيبي الإنشائي والتي هي من مؤسسة "بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين" وتظهر بها الإحصائيات عن اللاجئين وخسارة الارض ومن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا ) والتي  توضح التشرذم الجغرافي  بالتالي التشرذم الاجتماعي وتقطيع الأوصال حيث لا شئ يشبه الحياة الطبيعية، والتي كانت  اتفاقيات اوسلوا  السبب الرئيسي في شرعنة هذه النكبة الجديدة علي شعبنا وارضنا وكل ما نملك .

 

رمزية الصبار في هذا العمل الإنشائي، وأليافه المجففة المدلّاة من السقف، لها دلالات كبيرة، فهذا النبات اللحمي السميك المكلَّل بالأشواك هو جزء من المشهد الجمالي الطبيعي الذي سيّج قرانا ومدننا، وحافظ على ذاكرة المكان، وأصبح شاهداً على  الجريمة التاريخية الكبرى التي ارتكبت بحق شعبنا(النكبة)، والمتمثلة في هدم ٥٣١ قرية ومدينة فلسطينية، وتهجير وتشريد سكانها الأصليين. فالصبار استُبدل بالإسمنت، بعد أن كان يُسيّج ويفصل بجماليته حواكيرها وحقولها، ويمنع عنها الحيوانات المفترسة.

الحركة البطيئة والانعكاسات على الجدران في هذا الفراغ، والمتمثلة بالدوران البطيء لعجلة الصبار المدلى من السقف، هي بمثابة لعبة كسب الوقت التي تهدف إلى تصفية قضيتنا. أما خارطة القدس التي تعود للعام 1581، متوسطة هذا الفراغ بثبات، فإنما ترمز إلى كون القدس مركز العالم، والعاصمة الأبدية لفلسطين، إذ تتدلى منها الصبارة الخضراء التي تمثل القلب النابض بالأمل والصمود حتى الحرية.

بعد مرور سبعة عقود، يبدو الهيكل العظمي لفلسطين مخيطًا بخيوط سوداء، في محاولة لجمع شمل الفلسطينيين، الذي بات مستحيلًا في ظل الواقع المرير الذي نعيشه. بعد سبعة عقود لم نعُد أكثر من مجرد إحصائيات في المكاتب والمؤسسات والمحافل الدولية، التي يتواطأ بعضها مع المستعمر الصهيوني في محاولاته لتصفية قضيتنا. فإلى أين، وإلى متى هذا الصمت عن هذه الجرائم المستمرة وبالأخص مع مؤامرة تصفية القضية والحقوق الشرعية الفلسطينية "بصفقة القرن" التي لن تمر ابداً..  وسيبقى الأمل في الحرية ينبض بكرامة الشعب الفلسطيني الصامد حتى الحرية  الحقيقية !

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.