كما نعيش..
كوليت أبو حسين

أقارب

جدّي لم يكن جزّاراً وأنا لم أكن نباتيّة

.. إلا أنني وَكافكا تشابهنا بأشياء أُخَر

فكلانا كان (يكرهه أقاربه بشكلٍ قاطع)!

 

 

ضجر

نحن من يخلعنَ آخر اللّيل ضجرهُنّ من علاقات الحبّ أحاديّ الأطراف ..

ليرتدين ملابسهنّ الداخلية وَيجلسن أمام ذاكرتهنّ يأكلن البـوشار الآدمي

المصنوعَ من قلوب أحبّةٍ سابقين..

نحن من يتثاءبنَ بنعس..

يحاولن أن يتذكّرن وهنّ يشربن البيرة الباردة؛ لمن كان كأس الدّم الطازج الذي احتسينه قبل قليل!

نحن اللّواتي قتلنا الحب أكثر من مرة ..

فأصبحنا مصاصات دماءٍ وَعلاقات!

 

ضلال!

كلّ الطّرق التّي سِرتُ، وَأسير.. كانت -مثلي- ضالة

كَم أشفقُ على أحذيتي التي اهترأتْ بالخطى الخاطئة..

كَم أُشفق على أحذيتي .. لا عَلي!

 

 

 

ذكورة الخردل.. وأنوثة الكريما

كنت أفكر بمشروع كتاب يكون اسمه: طبخ ثقافي مثلاً، وأعمل على الموضوع بجدية..

سأبدأ بالسمك.. اللحم الأبيض الخفيف.. مُقوٍّ للذاكرة،

فنحن من النوع الذي لا يريد أن ينسى ..

مفيدٌ للقلب.. قلوبنا المتعبة أصلاً بحكم العادة والاعتياد.. سهلٌ للهضم؛ فهذا الكيس العضلي الصغير الذي نسميه المَعدة يعاني معنا الكثير وفقاً لتقلبات أمزجتنا وضغط أعصابنا.. ولن أنسى أن السّمك يقلّل الإحباط.. لذا سيكون الوجبة المناسبة لامرأة تطهو لتُدلّل نفسها.. فنحن نطهو بالعادة لنُدلّل الآخرين. لكن لا بأس.. وحدنا نبقى لنا وعندنا ومعنا ..لذا نستحق وجبة غنية وشهية.. سأبدأ بنصف كيلو من لحم السمك الفيليه الطازج، أُفضّل أنا نوع «اللُّؤس».. قد يكون أغلى قليلاً من غيره لكن مذاقه أطيب وأخف.. ستشعرين بفرق هذه الدنانير التي دفعتيها وهو يذوب خفيفاً في فمك.

إذن: نصف كيلو من سمك الفيليه، حبة فلفل رومي صفراء وأخرى حمراء ولا بأس بحبة خضراء أيضاً.. القليل من الثوم المهروس.. ملعقة صغيرة من الفلفل الأسود.. ملعقة صغيرة من الكاري.. كزبرة وقليل من الليمون.. زيت زيتون وعلبة كريما وملعقتان من الخردل (الماسترد).

هذا التنوّع اللوني؛ مَزْجُ لونين ناريين مع لون محايد وهادئ بطبيعته هو الأخضر، يعطيكِ جمالاً بصرياً سيُبهجكِ حتماً.. أغسلي السمك جيداً بالماء ثمّ بالليمون والملح.. إن شئتِ قطّعيه إلى قطع أصغر.. لكني أفضّل أن تبقى قطعة بيضاء كاملة.. تستطيعين أن ترسمي عليها بخضرواتك الملونة ما تريدين.. سيظلّ شكلها أشهى وأطيب..

بوعاء منفصل، قطّعي حبّات الفلفل الرومي إلى قطع صغيرة جداً.. مربعات صغيرة تُشبه قطع الفسيفساء.. لا تستعجلي.. ستبدئين بصناعة لوحة أيضاً، أنا أؤمن أن الطبخ أيضاً فـن.. كل امرأة تطبخ على طريقتها -كما كل شاعرة تكتب على طريقتها.. كما كل فنانة ترسم ولها أسلوبها.. طريقتنا في الطبخ تُشبهنا.. امرأة شفافة وعلى درجة من الحساسية ستعرف كيف تُقطع حبة فلفل أو حبة بطاطا، امرأة حالمة ستعرف جيداً كيف تُعدّ وجبتها- ستعرف كيف تسكبُها في الطبق، لا تتشابه النساء في طريقتها في الحب ولا في طريقتها في الطبخ ، فاطبخي وكوني أنت، اتركي بصمتكِ على طبقكِ، ضعي توقيعكِ المخفي في مذاقه، ودعيهم -كلّما تذوّقوا طبخك.. عَلِق في شهيّتهم وليس في ذاكرتهم فقط!

إذن: قطعي الفلفل الملوّن إلى قطع صغيرة.

ضعي فوقه الثوم المهروس؛ الثوم بلذعته وطعمه الحذق يترك أثراً في الفم.. حين يختلط بالمكونات الأخرى ينسجم معها.. لكنه يظلّ ظاهراً مثل امرأة ذكية، مرنة بسيطة، لكنها ظاهرة ولا شيء سيُخفي ذكاءها وقوّتها!

لا تخافي من رائحة قد يتركها الثوم في فمك.. حتى وأنتِ على شفا قبلة.. خليط الكزبرة سيُخفي الرائحة ليبقى الطعم فقط.. ضعي الليمون والكزبرة، واتركي قليلاً منها للتزيين، أضيفي أيضاً ملعقة الكاري الصغيرة وملعقة الفلفل الأسود، وزيت الزيتون، اخلطيها معاً في طبق منفصل.. اخلطيها جيداً.. وستَرين كيف أن هذه المكونات الصغيرة تنسجم معاً لتُعطيكِ مزيجاً طرياً.. ستشعرين بجماله حتى قبل أن تسكبيه على قطعة السمك البيضاء، استعملي يديك لتخلطيه معاً.. شدّي عليه.. أحسّي بملمسِ الخضروات الصغيرة والناعمة على يديك، لا تخجلي ولا تتردي من استعمال يديكِ في الطبخ!

الطبخ علاقة حميمة بينك وبين كل هذه المكونات.. ألا تستعملينَ يديك في علاقة حميمة!

بعد أن تمزجيها معاً بيديكِ، ضعي السمك في الوعاء الذي ستضعينه في الفرن، ثم اسكبي الخضار جميعها عليه.. قلّبيها بين يديكِ، فوق قطعة السمك، تحتها.. انثريها عليها جيداً وكأنّك تُغلّفينها بها.. امنحيها عناقاً حاراً بهذه المكونات الجميلة، ثم ضعيها في الفرن.

السمك لا يحتاج إلى حرارة عالية إلا في البداية فقط؛ كأنكِ ستبدئين علاقة حب مستعرة في البداية ثم قللي الحرارة كي لا تحترق؛ عشر دقائق فقط على حرارة عالية، ثمّ خففي الحرارة لعشر دقائق أخرى، لا تُقلّبيها ولا تحاولي تحريكها.. قد تتفتّت إن ظلّت بالفرن إلى وقت أطول، حافظي على تماسكها كما تُحافظين على تماسُكك.. لا تنسي، نحن نطبخ بطريقة تُشبهنا، كما نُفكّر وكما نُحب وكما نكره وكما نعيش!

الآن سنصنع «الصوص» علبة كريما طبخ صغيرة، ضعيها في وعاء على النار، اخلطي معها ملعقتان من الخردل، ستحصلين على لون يميل إلى الصفرة، الـ «صوص» الأصفر المكوّن من الكريما البيضاء الخفيفة مع قليل من الخردل القوي سيمنحك طعماً معتدلاً، لا تخافي، لن يظهر طعم الخردل قوياً لأنّ الكريما ستُخفّفه، هذا المزيج من ذكورة الخردل وأنوثة الكريما سيُعطيك طعماً متجانساً يُشبه توافق رجلٍ وامرأة. لا بأس من إضافة الملح إن أردتِ، لكن لا تنسي، الملح خطير لا تُكثري منه، ليس لأنه يرفع الضّغط فقط، بل لأن الملوحة الزائدة تَقتل الطّعم.. بعد أن يغلي ذوّبي ملعقة نشا صغيرة، ثلاث ملاعق كبيرة من الماء وأضيفيها عليه وهو يغلي، استمري في التحريك، حتى لا تتكتّل بودرة النشا، ولا تستخفي بهذه البودرة البيضاء؛ قد تبدو بلا طعم ولا رائحة ولا معنى.. لكنها مثل الاحترام في أي علاقة.. ضروري لكي تتماسك!

انقلي السمك والخضروات بحرص إلى طبق التّقديم، انثري الخضار المشوية بالفرن حول قطع السّمك، ثمّ اسكبي فوقها الـ «صوص» برويّة، لا تُبالغي بالكميّة أن كانت كثيرة، دَعي السمكة -شريكتك- تتنفّس شيئاً من هوائكِ، لا تَغطّيها تماماً، بل ضعي باقي الكمية في طبق صغير بجانب وعاء التقديم، لا تنسي.. نحن نطبخ كما نفكّر كما نُحب كما نكره .. وكما نعيش!

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.