أَكبرُ من دُميةٍ وقطعةِ حَلوى
حنين الفقيه

في قَلبي أُمنيةٌ تَشيخُ في كُلِّ مَرَّةٍ أَبحَثُ فيها عنِّي ولا أَجِدُني، وأخافني. اعتدتُ أَنْ أَهربَ إلى عينيّ أُمي في كلِّ مرة

يُحاول فيها شَبحُ الغياب افتراسي، لا زِلتُ أذْكرهُما في نِهايةِ كُلِّ حُلمٍ، كانَتْ تُحاولُ فيهِ أنْ تُنعشَ قَلبي، وَأَتساءَل: تُرى أيُّ الحُلمينَ كانَ أَعمق عَيناها.. أمْ عيناها! ما كُنتُ أعلمُ أنِّي سأرثُ مِنُهما ذاكَ العُمق، كُنتُ أَصغرَ مِنْ أَنْ أُدركَ، حينَ كانَتْ تَروي لي قِصَّةَ ذاتِ الرِّداءِ الأَحمر، أنَّها كانَتْ تُحاولُ إخباري أَنَّ ذِئبَ هذهِ الأَرض ما زالَ يَتربَّصُ بِها خَلفَ أستارِ الحِكاية.

 

لَيتكِ أُمَّاهُ أَخبرتني قَبلَ أَنْ أَكبر، أَنَّ العالمَ أَكبرُ من دُميةٍ وقطعةِ حَلوى، لَيتكِ قَبلَ المَوت علَّمْتني كيف لي أَنْ أتوقفَ عن الجنونِ وغزو الأمنيات.. لَيتكِ أَخبرتِني كيف أَتوقف بعدَ الرَّحيل، ليتكِ فقط أَخبرتني أَن الأحلامَ أكبرُ من قصةٍ أَغفو فيها على صوتكِ، وأَنِّي طِفلةٌ مَسكونةٌ بِقدرٍ لَنْ يَكفُّ عن معاندتي يوماً!

ربما كانَ علينا يا أُمي أنْ نَكون أكثرَ صَلابة، أنْ لا تَرتعش أصواتُنا، أنْ نَحملَ قلوباً أكبر، تَتَّسِعُ لأُمنياتنا الكَثيرة، أن نُلوِّنَ أَوجاعنا.. كان علينا يا أمي أَنْ نُغلِّفَ أَحلامنا جيداً، أنْ نُخبّئها في قلبِ غيمةٍ لا تَعرفُ حدودَ البُكاء!

في داخلي مَوتٌ أخضر، يَتمايلُ كالنُّعاسِ في سَريرِ طِفلةٍ ما عادتْ تَعرفُ كَيفَ تَفتحُ عينيها. كَزهرٍ ذابلٍ ينامُ في أَحلامِ وِسادتي، ويَتْنفَّسُ مِنْ حَنيني فأبكي، وفي كُلِّ صباحٍ أُراقبه يَغفو داخلي بنِصْفِ عينٍ، لا يُريقهُ حُلمي الصَغير، ولا يُشتِّتُ هُدوءه لونيَ الأَزرق!

ضبابُ مدينتي يَحثُّني على أشياء كثيرة لا قُدرةَ لي على تحديدِ ماهيَّتها، عاجِزة عن إِخفاء عُري عيني بِها، وكأنَّ هذا العالمَ أَصغرُ من صوتِ بُكائي. أَشعرُ أنَّ الأيام مُجرَّدُ صَفحاتٍ تُكتَب بِالحِبرِ ذاتهِ ، وتُعَطَّر بِالمَاضي ذاَته كُلَّ صَباح، وتُغَطَّى بِقُبَلِ القَدَر المَاكرة كُلَّ مَساء..

كُنتُ أَظنُّ أننا نَكتبُ الأشخاصَ الَّذينَ تَعِبَت ذاكِرَتُنا مِنْهم . نَكتبُهم لِنَقتُلهُم، لنُفرغَ ذَاكِرَتنا مِنْهُم، وفي كُلِّ مرةٍ أُحاول فيها ذلك، أَتورَّطُ بظلالهم الغائبة أكثر..

أَنا حَبيسةُ الحَنينِ وحَبيبةُ المَطر، أَقفُ على أطرافِ الكَلمات، أُحاولُ التَّمسكَ بمشاعري الَّتي تَسرَّبتْ مِنها دُونَ جدوى، أُحاولُ إِنجابَ أيِّ حرف وأعلمُ أنَّ مُحاولةَ الكِتابة هِيَ مُحاولةٌ فِعْليَّةٌ لِقَتلِ الحَرف. فالكِتابة لا مُحاولات فيها، وأَعلمُ أَيضاً أَنِّي لا أَعْلمُ بِماذا أَهْذِي، وبِماذا سَيَمْتَلِئُ فِنْجانُ قَهْوتي التَّالي، أَوْ حتّى الأَخير.

أَشعرُ بِالحَنين إلى الغَضب، والإِشتياق الجامح إِلَيّ، بحيث أنِّي لا أَقوى على انتظارِ شَيء، وفي الوقت ذاته أَنتَظرُ كُلَّ شيء، أعلم أنه لن يأتي.

لَكنِّي سمعتُ صوتاً مُصاباً بالزَّمنِ يَقول: "آنَ أَوانُ الرَّقص". منذ ذلك الوقت لم أتوقف عَنِ الغناءِ لتبدأَ خاصرتي جُنونها الأبديّ.

سَهرتُ أَكثر مِنَ الليل وأَبعدَ مِنَ الحُلم، هَمسٌ واحدٌ أَجازَ الصَّحوَ لي، عُصفورٌ غَرَّدَ في حُزني ونَسي بيتهُ الصَّغير، فأسكنته قلبي، مُذَّاكَ وأَنا أهيمُ بينَ السُّطور، أُغَنِّي هذا الليل وأُعلقُ سَوسناتٍ صغيرةً على ضفائرِ الحُلم.

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.