عن الكورونا والاحتلال
رهام حجة

 

تقول أمي إنّ خوفها من الكورنا أعظم بكثير من خوفها من الاحتلال! وأنا لا أتخيّل وجعًا أقوى من وجع الاحتلال

على قلب أمي. أيكون الخوف من الكورونا أعظم عندها من ذلك الهلع الذي كان يصيبها من طَرَقات الأبواب وزيارة السجون والمحاكم؟ أيُمْكن لقلب أمي أن يلفظ ألمًا أعظم من ذلك الألم الذي رأيناه أطفالًا في عيونها فتبكي ونبكي؟

 

 

تخافُ.. أو نخاف نحن معها.. لأننا مع الكورونا نحن الذخيرة الحيّة؛ الرصاص الطائش الذي سيصيب من نحب ومن لا نحب!

نخاف لأنّ الأبواب التي تعزل عين الجاسوس لا تعزل عين الوباء، ولأنها لا تطرق الأبواب بأسلحتها لِأخذ أبنائنا.. بل تُصافح بسلامٍ وتُربت بيدٍ من محبةٍ.. تمامًا كالجواسيس!

تخاف  تلك التي تعيش في بيت بجدرانٍ تأمن داخله الكورونا. ويهلع ذلك الأب المقيم داخل المخيم. الذي يحتفظ بمفتاح بيت مضى على هجره جيلٌ وجِيل ويحفظ في ذاكرةٍ -ليست له- مكان الشجرة، وذكرياتٍ عن حياة فارهةٍ لم يذقها سوى في حكاياتٍ على عتبة بيته الصغير في المخيم، ويحفظها أولاده بصورة من كرتونٍ مُلون.

فَقَدَ شابَّين وساقًا في الانتفاضة الثانيةِ.

نعم يهلع لأنه لا يتحمل المزيد، ولأنّ ليس لديه باب مغلق بالكامل، ولأنّ المسافةَ الآمنة بين شخص وآخر لا تُوجد بين بيته وبيت الجار!

ويبحث سائق الحافلة والتاكسي عن طريقٍ التفافيٍّ يسلكه لأكثر من ساعتين -ربما مهدّدًا بإطلاق النار- فلا يجد.. تعرف الكورونا كل الطرق والمخابئ فيخافها أكثر.

 

الكورونا عدوُّنا وعدوُّ عدوِّنا.. ولنا عند العدو ثلاث:

مواطِنٌ ذهب للبحث عن قوت يومه بأرضه التي ليست بأرضه،

ومواطِنٌ رغم الدماء السائلة تمسَّك في بيته،

وأسِيرٌ؛.. وكلُّكم تعلمون معنى الأسير.

يحيط الاحتلال بنا من ثلاث جهات ويحيط بهؤلاء من أربع. وتتعرَّش الآن الكورونا سمائهم فتغلق كلَّ الأبواب وتحكم الأنفاس بالمعنى الحرفيِّ للكلمة.

ويَبقى الأسيرُ همَّنا الأكبرَ وخوفَنا الأعظم.

المقارنة بين الكورونا والاحتلال تفرض نفسها من أوّل حظر التجوُّلِ إلى طَرْحِ أعداد الضحايا، والعدوُّ الذي لا نعلم متى يرحل!

يحمل مجتمعنا خصوصيةً في التعامل مع الأزمات اكتَسَبَها من طُولِ مدةِ الاحتلال. يُقيم الأفراح، يقطع الحواجز للخروج للمطاعم والسهرات، ينجب أطفالًا من وراء أسوار السجن! يتكبَّد معانة المعابر -بالمعنى الحقيقيّ- حتى يستمتع بالعالم الخارجي ويعيش.

يقول الطبيب لأصحاب الأمراض المزمنة "تعايَشْ.. انتظمْ بعلاجِك وتعايَشْ"، ونحن ننتظم بمقاومتنا.. ونتعايش..!

لذا لم تكن الكورونا -التي أربكَت العالَمَ بكسر الرُّوتين اليوميّ- مُربكةً لشعبنا بالقدر نَفسِه، نحن لا نملك روتينًا قابلًا للكسر؛ يعتاد رَجُلُنا صاحبَ بَسطةَ الملابسِ على غَلْقِها بالأسابيع.. يعتاد أبناؤنا على إغلاق المدارس، وأن يكونَ همُّهم التعليمَ -بمُعلِّمٍ وبدون مُعلِّمٍ-ونعتادُ نحن جميعًا على حياةٍ بلا عادات!

لكنَّنا خائفون حقًّا...

فالترحلوا

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.