هوينوميا
فاطمة عبيدات

عليش أكتب هالكلامـ! مش بقلّكمـ نحنا مجانين أهل القدس.

أهو دا إللي صار. إننا في القُدسِ مصابونَ "بفوبيا الهوية".

ربّما يأتي أحدُ العُلماءِ بعدَ حقبةٍ من اندثارنا في غياهبِ التاريخِ كي يَحكي عن تعمّقه وبحوثهِ في "الهوينوميا".

 

لا أعرفُ مقدسياً\ةً إلا وولدَ مصاباً بذلكَ الفيروس.

وأنا كذلكَ مصابةٌ بذلكَ الفيروس. قبلَ أن أبدأ بالخوضِ في أصولِ نشأةِ هذا الفيروس. سأحكي لكمـ عن الحالةِ التي يخلّفها الفيروس، في أجسادنا.

نحنُ مهووسونَ بتفقّدِ بطاقاتِ هوياتِنا. الإنسان المقدسي، يفتح كل ثانية جزدانة كي يطمئنَ على وجود بطاقة هويتهِ.

في داخلِ قرارةِ كلّ مقدسيّ رعبٌ كبير.

رعبٌ يجعلكَ تتخيّلُ مدينةُ القدسِ صارت باباً عملاقاً، وأنتَ صرتَ مفتاحاً لذلك الباب.

لا تُريدُ للغرباءِ أو الغزاةِ أن يخترقوا مدينتكَ. ويخدشوا مساحاتِ ترابِها.

أنتَ مجنونٌ، إنتِ مجنونةٌ. كلُّ أهلِ القدسِ مجانين.

هٌناكَ جنونٌ عارمـٌ في المدينةِ المقدسةِ. شوالاتٌ معبأةٌ بالخوفِ بينَ كلّ طيةٍ وأخرى في الشوارعِ.

من أنا!

سؤالٌ دائمـُ المكوثِ في عبّ المقدسيين.

نتخيّلُ أنفسنا فقدنا بطاقةَ هويتنا، أو نسيناها في مكانٍ ما. وأستوقفنا مجندٌ اسرائيليٌّ ما، في شوارعِ المدينةِ أو على مشارفِ المدينةِ.

وسألنا ذات الأسئلة الاعتيادية ومنها : " أعطيني هويتك "!

لن يقتنعَ المجند إلـ مش طالع من البيضة بأنّ لكَ اسمـٌ وله شجرةُ عائلةٍ، تشرشت جذورها في أديمـِ القدسِ. ولن يدعكَ تكمل طريقكَ بسلامـ، حتى لو رصفتَ لهُ كاملَ معلوماتكَ،

من رقمـ الهوية\ رقمـ رخصة السياقة\ رقمـ صندوق البريد\ رقمـ الميكود " المدخل الدولي " و و و و و . كلا كلّ ذلكَ لن يشفع لكَ ويجعلكَ تفلتُ من كماشةِ المجند.

وَلو أتت كُلّ عائلتكَ حتى تثبتَ وجهَ الشبهِ فيما بينها وبينكَ، فذلكَ لن يساعدكَ أيضاً.

ذلك المجندُ يؤمنُ بماديّةِ الهويةِ. هاتيكَ البطاقةِ ذاتُ اللونِ الأزرقِ.

في العادةِ يعتبرُ علماءُ النفسِ بأن دلالةَ اللونِ الأزرقِ تفيدُ السرورَ والارتياحَ والهدوء. فالسماءُ زرقاء، وآثارُ الكدماتِ الطازه زرقاء، ولونُ اختناقِ الجسدِ أزرق، وبطاقةُ هويتنا في القدس، أيضاً زرقاء.

نحنُ نتوجّسُ كثيراً. نتفقّدُ بطاقاتِ هويّاتنا لأننا نوقنُ بأن المجندَ المفعوص، لن يفهمـَ طريقةَ تعريفِ هويتنا. طَب كيف أقنع المجند الإسرائيلي بإنه أنا، أنا. وبأنني من القدس.

كيف سأثبتُ له في حال فقداني أو نسياني لبطاقةِ هويتي، بأنّ داري ما زالت هناكَ، في القدسِ.

فَداري، دارٌ مثلَ باقي دورِ أهل القدسِ، دارٌ تَحيا وكأنها تحيا في حقلٍ من الألغامـ.

فالدارُ مثلَ بطاقةِ الهويةِ. تخشى أن تأتي جرافاتُ الهدمـِ وتهدمها تعسّفاً. أو أن تثقلَ كواهلُ حجارتها بمئاتِ ألوفِ المخالفاتِ المجحفةِ.

أوَلمـْ أحكي لكمـ بأن القدس مدينةُ " الجنون ". أو لربما جننوها وجننونا مَعها.

والمضحكُ المبكي بأنّكَ من القدسِ ولستَ من القدسِ.

فالبطاقةُ التي تحملها عبارة عن بطاقة زرقاء بدون جنسية ما.

وَوفقاً للتعريف الإسرائيلي لها، فإنها " إقامة دائمة " وحطولي شحطتين تحت دائمة، على أراضي القدس. ولما بحكي عن القدس منيش عارفة أيا قدس!

القدس إلـ كانت قدس منذ عامـ 1948 أو إلـ القدس في عامـ 1967 أو القدس إلـ خنقها جدار الضمـ التوسّع الإسرائيلي، أو أو أو. والله كثار الأقداس. ومنتاش لاقي قدس تلمّك.

هلقيت هذي الإقامة الدائمة. دائمة ع الورق.

حيث أنّك لو غادرت القدس وطق ع راسهمـ يسحبوا هويتك، نعمـ فإنهمـ قادرين على ذلك. دخيلكمـ من سيحول عن قرارات تهجير المقدسيين\ات من مدينتهمـ!.

كُله علاك مصدي. مصدي.

مَرات بتقعد صفنان في مشيئة الله لإيجادك مقدسي\ة!

وبتقول لحالك. طَب ما كل القوانين الدولية بتقول، أن أي طفل يولد ع أي أرض، يحصل على جنسيتها.

هوّي هالقانون فتل كل أراضي العالمـ وأراضي فلسطين، وتاب عن العبور إلى أراضي القدس!!. ليش أهل القدس وحدهمـ، بدخلوا في دوامة "بدنا نخلّف" أو بلاش! "بدنا نتزوج" أو بلاش! "بدنا نسافر" أو بلاش "بدنا نحب من بريت القدس" أو بلاش.

لأنّك إن أجرمتَ واقترفتَ هاتيك الأمور الإنسانية إلـ بسيطة. بدك توقف بطابور زي إلـي واقف يستنى يتحاسب يومـ القيامة، في وزارة الداخلية الإسرائيلية.

وتكون حامل دزنة اثباتات بأنّك مقدسي، من القدس، تسكن في القدس، تتنفّس في القدس، تشتري من القدس، و و و.

وبدّك تقعد تفرِد أوراقك قدامـ كل موظف في الداخلية، لحتى يحنّوا عليك ويحكولك حسناً، ستأخذ رقمـ وهذا الرقمـ يخوّلك لاستصدار بطاقة هوية زرقاء، بدون جنسية.

إشي أرنونا (ضريبة تدفع على السكنى في أرض القدس)، وإشي شهاداتك المدرسيّة والجامعية، وإشي فواتير التأمين الوطني والصحي، وإشي رُخصَك، وإشي فواتير الكهرباء والماء والإنترنت.

بَس رغمـ الجنون، تبقى القُدسُ دارٌ، وكلّ البلادِ فنادق.

ويظلّ الإنسان المقدسي، آخر البيادق التي تسند ضياع الكرامة العربية إلى الأبد.

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.