الطريق مش من هون!
دعد صيرفي

ذات صباح، وبينما كنت أكنس الزقاق المحاذي لمدخل بيتنا في المخيم بعد صخب عاشه الأطفال هنا عشية ثاني يوم من أيام العيد،

شاهدته يسير وحيداً تائه العينين هناك، خطواته البطيئة المتعثرة رغم مساعدة عكازه كانت تشف للجميع عن عمره وقد شارف على ثمانين عاماً، كان يسير بعض الخطوات ثم يتوقف ويرفع رأسه المحني مع كتفيه ليعيد استكشاف موقعه هناك، يدقق في الجدران ويتلمسها أو قد يتكئ ويلتصق بها للحظات  بينما يتراكض بعض الأولاد وينسلون بمهارة في الزقاق الضيق بمحاذاته تماماً، تعجبت عدم وجود أي من أحفاده برفقته! وقد كنت على علم بأنه فقد معظم ذاكرته للأشخاص والأحداث، وضعت المكنسة جانباً وتوجهت إليه من فوري قائلة:
-    صباح الخير يا أبو محمد، كيف أصبحت؟
رفع ناظريه نحوي وقد تساءلت ملامح وجهه عن هذا الصوت الأنثوي الغريب الذي اعترض مسيره الهائم في هذا الزقاق، وأجاب:
-    صباح الخير يا بنيتي، من الله بخير..
-    ما عرفتني يا عمي؟  أنا سميرة بنت أبو علي اللحام الله يرحمه.
أعاد رفع ناظريه إلي وقد اتسمت نظراته بشيء من الألفة تناقض ملامحه الأولى بعد أن دقق في وجهي وقال:
-    الله يرحمه، أنا شايفك بس لا تواخذيني مش متذكرك..
-    شكلك ضايق خلقك وطالع من البيت.. تعال، تعال نتمشى شوي ياعمي.
كنت أعلم مسبقاً عناده ورفضه لفكرة أن يساعده أحد أثناء جولاته وهروبه المتكرر من البيت وحيداً، فأخفيت عنه نيتي لإيصاله إلى منزله موهمة إياه بقيامنا بجولة بعيدة عنه، سرت بمحاذاته دون أن تتداخل ظلالنا في مواربة مني لذلك العناد الذي لم يهرم بفعل السنوات وإيهامه بامتلاك زمام تحديد الوجهة دون إمساكها وتوليت أنا توجيهها بإقناعه بجمالية حديقة اختلقتها للوصول إليها، كان يتوقف عند بعض مفترقات الزقاق كأنما حائراً بين أن يستمر بتسليم القيادة لي أو أن يخرج عن الانصياع ذاك وينفرد في طريقه، كنت أحل حيرته تلك بتوقفي عن الحركة صامتة بانتظار قراره دون تدخل مني، ويبدو أن منح مساحة حرية القرار تلك كانت كفيلة بامتثاله لوجهتي، لكن ذات توقف طال بعض الشيء بادرته بسؤال خطف تركيز ذهنه اللحظي على المكان هنا:
-    من وين انت يا عمي؟
ابتسم  وبدأ بشغف شع من عينيه يحدثني:
-    لما كنت صغير بمدرسة الوكالة اللي كانت قبل هاي المدرسة طعماني أستاذ التاريخ كف لأني جاوبته لما سألني هاد السؤال إني من المخيم، قلي وقتها: لما حد يسألك انت من وين بتقول انت أصلاً من أي بلد وإنك ساكن بالمخيم وازا مش عارف انت من وين بتروح بتسأل أبوك من أي بلد انتو.. وفعلاً أول ما رجع أبوي عغرفة الوكالة اللي كنا كلنا نقعد وننام فيها بوقتها سألته: احنا من وين؟
توقف للحظات عن استكمال سرده ذاك وقد عاجلته ضحكة خافتة كأنها تستنهض علاء الدين في مصباح ذاكرته المعتق، ابتسمت لقوة ذاكرته المستردة لتلك الأحداث، واستحثيت قدمي وعيه الناهض لتوه من كهفه وقد أعمته أشعة شمس مفاجأة بسؤالي:
-    شو حكالك؟
استكملت السير إلى الأمام ببطء بضع خطوات لأعيد شحن همته لوجهتي المضمرة، والتي أعاد الانقياد لها وتبع طعم خطواتي وسؤالي واستكمل سرده ذاك:
-    طعماني أبوي ليلتها كمان كف.. وقلي انه احنا من يافا، وبعمري بعدها ما نسيت ولا رح أنسى من وين أنا.. وانتي يا بنيتي بعمرك ما تقولي انك من المخيم، المخيم مخبي فلسطين الحقيقية الكاملة.. المخيم خنقة لبحر فلسطين وهواها.. حتى مية الشتا لما تنزل عليه بتعشش بحيطانه ع قد ما ناسها مشتاقة لأصلها ولبحرها.. في بشر يا بنيتي من مي مش من طين... صار لبحر يافا حصة في هالمخيم بيجي بيطل عليهم بالشتوية بتفقدهم وبيذكرهم بأصلهم وبيرجع يروح.
كنا لحظتها قد اقتربنا دون أن يشعر من منزله الحالي حيث يسكن في الطابق الأرضي مع أسرة ابنه الأكبر، بينما يقطن ابنه الأصغر مع أسرته في الطابق العلوي، كان أحفاد ابنه الأصغر يلهون مع أقرانهم عند عتبة المدخل، لمحونا من بداية الزقاق فركض إليه أكبر أحفاده وسأل جده فور وصوله إليه وقد طغى على سؤاله الدهشة:
-    وين كنت يا سيدي؟! تعال تعال..
شكرني الصبي على عجل كنوع من أداء واجب تجاه معروف ما وأخذ بذراع جده ليعينه وموجهاً إياه إلى البيت، سمعت صوت أبو محمد يعلو كلما ابتعدا عني وهو يحاول الإفلات من يد حفيده:
-    لوين ماخدني؟! مين انت؟
-    عالدار يا سيدي عالدار.
لكزه أبو محمد بعصاته وهو ينهره:
-    مش من هون طريق دارنا.. مش من هون بقلك! مشي معي لعند شجرة الجميز..
وصل إليهما في تلك اللحظة ابنه الأكبر محمد ليحل محل الحفيد في توجيه والده:
-    تعال يابا.. شامم ريحة قدحة الملوخية؟ تعال رح تاكل أصابعك وراها من كتر ما بتشهي..
-    الطريق مش من هون .. بقلك مش من هون..
خفت صوت أبي محمد تدريجياً حتى تلاشى داخل بيتهم، وأكملت سيري بحثاً عن طريق ليست من هذا الاتجاه توصلني إلى ذاتي المائية في هذا الصيف الحارق.. حتى غشي عيني ضباب مائي مكثف!


التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.