عن الحياة والموت.. نموذج لسرد الثورة الكوبية
حمزة شباب

الكاتب الكوبي أرماندو كريستوبال بيريز ولد في العاصمة هافانا عام 1938م، يتميز بكتابات ثقافية هي خليط من العلوم السياسية -محور دراسته- حيث حصل على الدكتوراه وهو ابن ثلاثة وستين عاماً، والبوليسية الاجتماعية التي عايشها في بلاده، شغل عدة مناصب تصب في ميدان الثقافة جميعها، فمن أكاديمي في جامعة هافانا إلى مدير تحرير وصولاً إلى منصب المستشار الثقافي لسفارة بلاده في مدريد، كما تقلّد عدداً من الجوائز أهمها جائزة الثقافة الوطنية، وتعددت أعماله بين الأدب والكتب السياسية العلمية وكان أشهرها أدبياً رواية "جولة الياقوت" عام 1973م، والمجموعة القصصية "حول الحياة والموت" عام 1979م، وآخرها رواية "العشاء مع بوذا" عام 2008م، وقد تُرجمت أعماله إلى لغات عدة، كالإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والسويدية، والإيطالية، والبلغارية، والفيتنامية.
مع تدخل الهيئات السياسية بأدوات الرقابة الصارمة أُجبر المؤلفون على الكتابة ضمن مبادئ الاشتراكية التي ألقت بظلالها على ذلك البلد الصغير حجماً والعظيم سياسياً، فنقف أمام أعماله الأدبية مشدوهين لما تحويه من حقائق تاريخية بأسلوب شاهد العيان؛ حيث يروي مسار الثورة الكوبية التي كانت شابة في ذلك الوقت، ويسود فيها العناصر البوليسية المكتملة، فقد كان رجال الشرطة متألقين في أداء واجباتهم من الرأس إلى أخمص القدمين، ويزيد في وصفهم أنهم غِراس للنظام الاشتراكي الجديد المعروف بشفافيته والإخلاص في عمله، فالفرد منهم يقوم بواجبه سواء أكان مرتدياً لبزّته العسكرية أم لا، كما قدّم كريستوبال المجرمين من رجال العصابات بأنهم أشخاص غير مرغوب فيهم اجتماعياً، فهم يتوقون إلى ماضٍ من الظلم والفساد، ويسعون إلى الرذيلة والانحلال، ويهدفون إلى خلخلة البناء الشعبي بما يسميه (الهراء الإمبريالي).
حملت قصته الأولى عنوان المجموعة القصصية "حول الحياة والموت"، وتدور أحداثها حول مجموعة إرهابية من رجال العصابات تعتزم مهاجمة مركز تجاري في العاصمة بالمتفجرات، لكن الحياة وهبت لهذه البلاد عنصراً نِسوياً من قوات أمن الدولة هي الملازم آنا تقوم بالتسلل إلى غرفة عمليات أفراد العصابة وتعمل على تفكيكها، وفي هذا نرى أن الكاتب سخّر المرأة للقيام بواجبات التحري القائمة على عاتق الرجال كما هو معهود في الأدب البوليسي كشخصية شرلوك هولمز عند الكاتب البريطاني آرثر كونان دويل أو صاحب الخلايا الرمادية هيركيول بوارو الذي أبدعت في وصفه الكاتبة أغاثا كريستي، وتتغير حبكة القصة حين تقع آنا أسيرة بيد سمين الإرهابي قائد المجموعة الضالة، وعلى طول الطريق المظلم تسعفها صرخاتها التي وصلت إلى مسامع ذلك الرجل العجوز الذي يسافر على دراجته متنقلاً من مكان لآخر؛ فينجح في تخليصها بعد أن خلخلت أنسجة الخلية، ثم تقدم المجموعة لمحاكمتها محاكمة شعبية في أكبر ميادين المدينة، ولعل القارئ يجد نفسه أمام عرض تلفزيوني مألوف، لكن اللافت للنظر هو إضفاء الصبغة السياسية على الحدث حينما عرّض بتلك الحثالة التي تمولها الديدان المختبئة في ميامي -على حد قوله- في رواية رسمية لحقبة مضت في تاريخ كوبا الحديث، بالإضافة إلى اختيار العنصر النسائي ليكون مخلّصاً في هذه المحنة؛ ليتطور الأمر بعد ذلك فتصبح للمرأة مقاعد متساوية مع الرجل في البرلمان الكوبي.
خمس قصص في هذه المجموعة تروي القصص البوليسية التي أرست قواعد الدولة ونظامها الحديث، ويُستثنى من ذلك قصة واحدة وقعت في قالب الدراما العائلية وسط ظروف لها علاقة -ولو من بعيد- بالسياسة والصراع العنيف بين ضباط إنقاذ القانون وأولئك المتطفلين؛ فمن السهل أن نكتشف تحت جلد العملاء الفظّين أو المستقيمين أو المصابين بحالة من الانجماد في تعاليمهم رواية صحيحة سياسياً لنظام لم يترك مجالاً للنقد الاجتماعي الذي تسرب في كل قصة أو رواية، تلك العائلة مرت بتجارب الثورة وهي حريصة على شد بنيانها في بيت رثّ يعتبر أحد شهود الزمان.
تبوح قصص "عن الحياة والموت" للكاتب الكوبي أرماندو كريستوبال بيريز بأسرار المواجهات المسلحة بين قوات الأمن وخلايا إرهاب متعددة المصالح والتي كانت محنكة بالتجسس المضني والتسلل الكاريبي، وقد أبدع في مسألة الطرح ووقته؛ فقد كان هذا العمل الثاني في نتاجه الأدبي أولاً، ثم نشره في مرحلة شبابه حين وصل لسن الأربعين، بالإضافة إلى إجراءات التطهير التي قامت بها السلطة لاجتثاث ما تبقى من روث العملاء، وفي البعد الآخر لا ينفك الكاتب عن تناول بعض الصراعات الأيديولوجية داخل الأسرة نفسها باعتبارها مجتمعاً مصغراً؛ حيث وصف الشباب بمجتمع العقل والحكمة في مواجهة وسائل التفكير القديمة المتمثلة بالوالدين التي آلمتها الصراعات القديمة ودفعتها الحروب إلى تعطيل دور العقل والقيام بالأشياء وفق ما رُسم لها دون إعمال، ويصرّ هؤلاء على تفصيل مخطط اجتماعي رأسمالي يعتبره الكاتب فاقداً للصلاحية.
على الرغم من البؤرة الواضحة لنواة السرد في هذه القصص فإن قراءتها لا تقدم بانوراما تاريخية وأدبية فقط، لكنها تكشف أيضاً عن المسار غير الآمن الذي كان على كُتّاب تلك الفترة حتى يمروا من التصفيات الثورية، فهم بين سندان السلطات ومطرقة تلك الجماعات التي نالت حظاً وافراً من مقدّرات الدولة، وهذا الذي فتح لأدباء المستقبل في جمهورية كوبا أن يكتبوا وينشروا أعمالهم ليس على أساس الجودة الأدبية التي يتمتعون بها فحسب، بل على أساس المواقف الثابتة لصالح الفكر الثوري الذي أسقط الديكتاتور باتيستا وعملاء الـ CIA بعد أربعة وخمسين عاماً من الهيمنة الأمريكية؛ فالخوف على مستقبل الثورة لم يعد متاحاً بجهود أبنائه المخلصين الذين أحبوا نماء الوطن، وآمنوا أن المستقبل لن يكون إلا بحرية أبنائه والتفاني في عشقه، وهذا ما صرح به القائد الأعلى فيدل كاسترو بأن الولايات المتحدة لن تتمكن من كوبا مطلقاً، فقد كتب في مقال له بعد اجتماع غير معلن مع الرئيس البوليفي إيفو موراليس والرئيس الفنزويلي هوجو تشافيز ودانييل أورتيجا رئيس نيكاراجوا إبّان عملية نقل الحكم لأخيه الأصغر راؤول في 31 يوليو 2006م، كتب:" لقد مر على مرضي ما يقارب العام، فعندما كنت بين الحياة والموت، قلت، ليس لدي أي شك في أن شعبنا وثورتنا سيناضلان حتى آخر قطرة دم".


التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.