الهاربة
خولة جبر الرغمات

أستيقظ مذعورةً، لا يزال الظلام مخيماً، يُخيل لي أنّني أستطيع سماع بُكاء طفلتي، لكنّي أذهب إليها لأتفقدها، فأراها نائمةً نوماً عميقاً، أرى قبضتيها ممسكتَيْن بالبطانية إمساكاً مُحْكَماً، أعود إلى السرير ، لكنّي لا أستطيع العودة إلى النوم.
التفت صوبَ نيمار، فأراه مُستلقياً ماداً يده إلى جانبه، وأرى رأسه مُرتداً إلى أسفل، أعرف من إيقاع تنفسه أنّـه نائمٌ تماماً.
أنزلق من السرير، وأفتح الدُّرج، وآخذ حبةَ دواء.
أهبط إلى المطبخ، أعدّ لنفسي فنجاناً من القهوة، أذهب إلى غرفة الجلوس، أشغّل التلفزيون، ثم أُسكِتُ صوته سريعاً، وأجلس على الأريكة، أمضي عبر القنوات -محطاتٌ للأطفال، ومحطاتٌ للإعلانات التجارية، ومحطاتُ أخبارٍ تتحدث عن الحرب في العراق وسوريا وليبيا.
ما عدت أطيق الإصغاء إلى الأخبار، عدت إلى غرفتي في الأعلى، ثم اندسستُ تحت لحافي.

في الصباح
أجد نفسي واقفةً أمام خزانةِ ملابسي محدقةً للمرة المئة في صفٍّ من الملابس الجميلة، خزانةُ ملابسٍ مثاليةٍ بالنسبة لزوجة مديرٍ عام، أرتدي بنطالَ جينز وقميصاً قصير الأكمام، ثم أربط شعري إلى الخلف ،لا أهتمّ حتى بإضافةِ شيءٍ من مواد التجميل، لا معنى لأن أجعل نفسي أجمل من أجلِ قضاء اليوم كلّه مع طفلتي ذات العامين.
يداهمني الدوار من جديد عندما أقف عند أعلى السلم، فأطبق كفيّ بإحكامٍ على الدرابزين، أخاف من السقوط على السلّم وكسر رقبتي. يجعلني التفكير في هذا الأمر، أشعر بالإعياء من جديد، أجده عند أسفل السلم، ولارا هناك جالسة في كرسي هزاز من كراسي الأطفال فوق طاولة الجلوس.
إنّه ينظر إليّ مرفرفاً بأجفانه..عيناه مشوَّشتان..تحاولان الاستيقاظ .
"ماذا يحدث ".
أقول له:"لا شيء" لكنِّي أستطيع سماع الرجفة في صوتي
أضمُّ يَدَّاي معاً حتى أجبرهما على الكفِّ عن الارتجاف.
يجتاز الممر قادماً إليّ، ثم يحيط خصري بذراعيه :"أنتِ غريبةٌ في الآونة الأخيرة".
أقول له: "إنني بخير" لكنّي أجد نفسي مضطرةً إلى الشدِّ على أسناني لأمنعها من الاصطكاك.
يقول لي: "هيا الآن !تعالي معي،لقد أعددت الفطور اليوم بنفسي".

في المساء
إنني أسمع شيئاً.. صوتٌ خفيضٌ أرى التماع الضوء فأدرك أنّه المطر..إنه ينهمر .
ظلامٌ في الخارج، هناك عاصفة و برق.
لا أذكر متى حلّ الظلام، يجعلني الألم الذي في رأسي أعود إلى نفسي، ينتابني الذعر، أحسُّ بقلبي يصعد إلى حنجرتي، إنَّني على الأرض..على أرض المطبخ ..وبصعوبة أتمكن من رفع رأسي، ثم أنهض قليلاً مستندةً إلى مرفقي، أرفع نفسي قليلاً فأجلس مسندةً ظهري إلى خزائن المطبخ.
رأسي يدور، يسبح، أحس أنني موشكةً على التقيؤ، أعضّ على شفتي وأغرس أظافري في راحتيّ يَديّ، عليَّ أن أخرج نفسي من هذا الدوار، لا أستطيع أن أكون ضعيفة الآن.
نظرت إلى الساعة على حائط المطبخ تشير عقاربها إلى العاشرة مساءً. اقترب موعد رجوع نيمار من عمله.
قميصي ضيق إلى حدٍّ مزعج، كانت أزراره ضاغطةً على صدري، وكان متسخاً بعض الشيء، أشعر بحكةٍ في حلقي وفي عينيّ ،لا أريد أن يطول جلوسي هنا.

في الصباح
إنني أعبث بالشريط الطبي اللاصق على سبابتي، الشريط رطب.. تبلل عندما كنت أغسل فنجان القهوة هذا الصباح.
يبدو الآن رطباً، وسخاً، رغم أنّه كان نظيفاً هذا الصباح، لا أُريد نزعه لأن الجرح عميق.
كان نيمار خارح البيت عندما استيقظت، فكرت في الاستفادة من غيابهُ؛ لِكي أعدَّ لنفسي شريحة لحمٍ مع صلصة البصل الأحمر وطبقٌ من السلطة الخضراء، وجبةٌ صحيّةٌ لذيذةٌ! جرحتُ قمة إصبعي عندما كنت أقطعُّ البصل، لا بدَّ أنّني ذهبت إلى الحمّام لتنظيف الجرح، ثم مضيت لأستلقي قليلاً، كانت لارا نائمةً طيلة هذا الوقت، ثم نسيت كلَّ شيءٍ عن المطبخ؛ لأنني استيقظت قُرابة الساعة العاشرة والنصف، فسمعت صوت نيمار يحدّث نفسه.
كان يقول إنّه شيء مقِّزز أن أترك المكان على تلك الحالة.
صعد نيمار إلى الطابق العلوي ليراني، أستطيع سماع وقع أقدامه على الدرجات.. يهتف باسمي.. قرع الباب بلطفٍ، ثم فتحه قليلاً.
مال برأسه جانباً ثم سألني إن كنت بخير، اعتذرت من غير أن أعرف عمَّ كنت أعتذر.
قال نيمار إن كلّ شيء على ما يرام، لكن يجب أن أقوم بشيء من التنظيف.. يتقدمني إلى المطبخ ، المطبخ في حالة فوضى شاملة، أطباق وكؤوس مكوّمة قرب المجلى، وأغلفة كرتون لمأكولات جاهزة.. متناثرة حول سلة القمامة، وكان على لوح التقطيع قطرات من الدم، وكانت الغرفة تفوح برائحة اللحم النيء. لا تزال شريحة اللحم موجودة على طاولة المطبخ.. بدأ لونها يصير رمادياً… أقف عند الباب أما هو فيستند إلى طاولة المطبخ قبالتي طاوياً ذراعية أمام صدره. يسألني:"ماذا أستطيع أن أفعل من أجلك؟".
لم أجب عليه.. فيهزُّ برأسه، ثم يصعد إلى غرفة لارا.

بعد الظهر
مرهقةٌ أنا ! النعاس يثقل رأسي، لا أكاد أنام على الإطلاق عندما أشرب دوائي، أغيب عن الوعي ساعة أو ساعتين، ثم أستيقظ مع ذعر يصيبني بالغثيان.
اتصل نيمار قبل قليل ليقول إنّه سيتأخر في العمل! ليس هذا خبراً أريد سماعه، أشعر بالتوتر..شعرت بالتوتر طيلة اليوم. لا أستطيع المحافظة على هدوئي، فسوف تمر ساعات قبل أن يكون هنا، وسوف يواصل دماغي الجري هنا وهناك، هنا وهناك، لا أستطيع أن أظلَّ جالسة هنا، إنّني عصبية منزعجة. أحس بضربات قلبي مثل رفرفة صدري، مثل عصفور يحاول أن يفلت من قفصٍ… أصعد إلى غرفة لارا أقبلها قبلةً عميقةً، إنّها تغطُّ في نومٍ عميقٍ، أنتعل حذائي الخفيف وأنزل إلى الأسفل وأسير في الشارع.
لا يزال ذلك الإحساس المألوف بالذعر يتنامى عندما أتوقف بسيارتي قبالة المشفى. أنا خائفةٌ إلى حدٍ يكاد يمنعني من رفع رأسي لكي أنظر.
بدا لي ترحيب الدكتور مازن هذا الصباح فاتراً بعض الشيء. بل كان منثنياً على نفسه بعض الشيء كأنّه يتألم .. يقول لي باسطاً أصابعه على المكتب أمامه: "إنّني آسف.أعرف أنكِ لم تكوني تريدين سماع هذه الإجابة لكني لا أظنُّ أنّ هنالك طرقاً سريعةً عندما يتعلق الأمر بورم الدماغ".
أحاول فقط تهدئة خوفي، أُحاول ألّا أفكر في تلك التقارير الطبية، في مقدار الحزن الذي لا بدَّ أن يعيشه زوجي وابنتي عندما يروا الموت قادماً إليّ.

على الإفطار
تفعل لارا ما تفعله عادةً
ًصار ذلك لعبةً لها الآن، رفض الطعام، وهزُّ رأسها رافعةً ذقنها ضاغطةً على شفتيها.. تدفع بقبضتيها الصحن الذي أمامها، ينفذ صبر نيمار سريعاً، يقول لي:"ليس لديَّ وقت لهذا، عليكِ أن تقومي به أنتِ.." ينهض واقفاً، وهو يناولني الملعقة، وتعبير الاستسلام على وجهه، أودّْ أن أحدثهُ عن مرضي، أودُّ ذلك بالطبع؛ لكني لا أستطيع إخبارهُ.
بعد خروج نيمار إلى عمله، جلست إلى طاولة المطبخ لأخوض معركةً مع لارا من أجل إفطارها..عندما ننتهي من الطعام أخيراً وتبدأ طفلتي باللعب وحدها سعيدة..أسمح لنفسي بالبكاء دقيقة واحدة، لا أتيح هذه الدموع لنفسي إلا نادراً..فقط عندما لا يكون نيمار هنا، بضع لحظات فقط حتى أنفسّ عمّا في صدري، كان ذلك عندما ذهبت لأغسل وجهي بعد فراغي من إطعام لارا، لاحظتُ كم أبدو متعبة، كم أبدو مبقّعة، مهلهلة، أنتزع اللصاقة القذرة عن طرف إصبعي وأنظر إلى اللحم الشاحب المتجِّعد تحتها وإلى الدّم المتجّمد عند حافة أظفري، أضغط ظفر إبهامي الأيمن في قلب ذلك الجرح، أشعر بالجرح ينفتح، ألمٌ حادٌّ..حارٌّ..أحبس أنفاسي..يبدأ تدفق الدّم من الجرح، عندها انتابني ذلك الإحساس من جديد الحاجة إلى الهروب بعيداً،حيث لا يراني أحد.

أنا مستيقظةٌ منذ ساعات، لكني لا أزال أرتجف، وخديَّ تبللهما دموعي، وتهتزُّ ساقاي عندما أهمُّ بالجلوس على الكرسي، استيقظت من حلمي مذعورةً مرتجفةً أحسُّ أنّ كلّ ما عرفتهُ كان غير صحيح، وأنّ كلّ ما رأيتهُ عن مرضي، وعن هروبي ما كان إلا صوراً صنعتها في رأسي وأنَ لا شيء من هذا كله كان حقيقياً.
مضى على هروبي ثلاثةَ أشهر، كيف استطعت فعل هذا؟! لا أفهم كيف يستطيع الإنسان التغاضي بلا مبالآة عن الأذى الذي يتسبّبْ به عندما يتبع قلبه.
من قال إنّ اتباع القلب أمرٌ جيدٌ؟ بل هو أنانيةٌ محضةٌ، أنانيةٌ تحمل المرء على قهر الجميع.
كنت حمقاء عندما تركتُ بيتي، يجب ألّا أكررها بعد اليوم، كان عليَّ إخبار نيمار بمرضي، كلّما تذكرت ابتسامة طفلتي أحسّ أنّ قلبي موشكٌ على الانفجار .
مهما كنت أفتقد صحتّي، فسوف أفتقد ابتسامتها أكثر منها، لا يمكن أبداً بعد الآن أن أتركها مع أحدٍ غيري. أعبر الشّارع وأمضي على امتداد الجانب الأيسر المقابل لبيتنا أقف تحت الأشجار برهةً، قبالة البيت.
لقد أعاد طلاء الباب الأمامي، كان لونه أخضراً داكناً عندما عشت هنا، وهو أسود الآن كنت أفضّل اللون الأخضر.
أتساءل عن الأشياء الأخرى التي صارت مختلفة داخل البيت.
أودّ أن أعبر الشارع فأقرع الباب ذا الطلاء الأسود، أودُّ أن أحضن لارا بين ذراعيّ،أودُّ أن أكلّم نيمار،أودُّ أن أعتذر له..عليَّ أن أقول له إن لديَّ شعوراً فظيعاً تجاه ذلك، وإنّني آسفة حقاً من أجلكم، وإنّني لم أقصد أن يحدث شيء من هذا.
وقبل أن أخطو خطوتي الأولى..رأيت امرأةً و خلفها رجلاً طويلاً نحولاً خفيف السمره..إنّه نيمار!
ينحني واضعاً كوبَيْ القهوة على الطاولة المعدنية عند مدخل البيت، تلفُّ ذراعيها حول وسطه ثم تقبله قبلةً طويلةً..لا أستطيع تصديق هذا، كيف استطاع فعل هذا، تختطف رئتاي الهواء اختطافاً حتى أتنفس لا كلمات عندي تصف ما شعرت به ذاك اليوم.
أودُّ أن أذهب إلى تلك المرأة الآن..أبصق في وجهها، وأنتزع عينيها بأظافري.. لكنّي بدلاً من ذلك، أقف هناك قليلاً، أنظر إلى غرفة نومي القديمة إلى أن أحس لسعة الدمع في عيني، فأعرف أن وقت ذهابي قد حان.
عندما قررت الذهاب وقعت عيناي على  بيتٍ إسمنتي وعلى صفحة هذا البناء رسم أحدهم سهماً متجهاً صوب بيتنا، وإلى جوار ذلك السهم كلمتان:الرحلة انتهت!


التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.