عن العدالة الإجتماعية

  • هانيا عسود

ليست العدالة بالموضوع أو المجال الجديد سواءاً في منطقتنا أو حول العالم، فلقد كانت دوماً من أقدم القضايا الجوهرية في الفكر والعمل الإجتماعي والإقتصادي والسياسي للشعوب كما للفلاسفة

والعلماء وكل من بينهم.

وتعتبر المنطقة العربية من المناطق التي نادت بالعدالة تاريخياً لا سيما وأنها من أكثر مناطق العالم التي تعرضت بشكل متواصل للاضطرابات السياسية والاحتلال الأجنبي عبر التاريخ وحتى يومنا هذا.  إضافة إلى تعرّض المنطقة وشعوبها للعديد من الثقافات الأخرى سواءاً عبر "الإنتشار أو الأقلمة والتثاقف" ليس فقط نظراً للاحتلال والمستعمر الأجنبي ولكن كونها مفترق طرق للتجار والتجارة ناهيك عن نزوح أفواج كبيرة من الشعوب التي تعرضت لأحداث غير عادلة في بلادهم مثل الأرمن والشركس وغيرهم.  ولقد عملت شعوب المنطقة من هذه المراحل التاريخية على المطالبة بالعدالة كما على تعميمها وتعزيزها وذلك عبر أشكال وأدوات مختلفة لم تقتصر على الثورات والهبات والتعبئة الشعبية والإصلاحات الإقتصادية والسياسية وإنما برزت أيضاً من خلال الإنتاجات الأدبية والثقافية والفنية التي تعود لحقب زمنية مختلفة ودول وشعوب متعددة في المنطقة؛ مثل الجزائر والعراق واليمن ومصر ولبنان وفلسطين والبحرين والعراق، وكذلك الأكراد والأمازيغ، وغيرهم الكثير.

لكن لا بد من الإشارة إلى أنه وعلى مدار العقدين الماضيين - بأقل تقدير – شهد العالم الحقيقي تحرك في الاتجاه المعاكس تماماً للعدالة الإجتماعية.  حيث الازدياد المتسارع في مستوى الفروقات بين الأفراد سواءاً داخل المجتمع الواحد أو بين المجتمعات في كل مكان في العالم، والذي يحيله العديد من المحللين والفلاسفة إلى تسارع زيادة ثراء ونفوذ فئة محدودة من الناس (في المجتمعات المتطورة والنامية على حد سواء) - الرأسمالية - والقادرة على الإلتفاف على السياسات أو تسخيرها لما فيه من مصلحة لهم ولزيادة نفوذهم وممتلكاتهم على حساب الأغلبية العظمى.  ولقد أدى هذا بالتأكيد إلى تزايد الغضب ضد الأغنياء والمصرفيين والممولين وغيرهم من أصحاب رؤوس الأموال الفاحشة.

بحسب دراسة قامت بها مؤسسة الأوكفسام ضد الفقر، أظهرت النتائج أنه وبحسب المؤشرات الحالية، فئة الـ 1% من سكان العالم تملك أكثر من 50% من ثروات العالم، حيث أن نسبة ممتلكاتهم ارتفعت من 44% في العام 2009 إلى 48٪ في عام 2014.

كما وأن هنالك مؤشرات واضحة لزيادة نسبة البشر المتسامحين والمتواطئين مع ثقافة عدم المساواة والتمييز ما بين البشر بناءاً على العرق، واللون والدين والهوية، إلخ. حتى في الدول التي تتحلى بسياسات تشجع وتحمي التقاليد الإجتماعية الديمقراطية، وهو الأمر الذي تطلب بعض الشعوب مئات العقود لتحقيقه.  وحيث أثار ذلك حفيظة بعض الإصلاحيين الأمريكيين والذين أبدوا قلقهم من أثر تراجع العدالة على استمرارية النظام الديمقراطي، الذي بات يسمى لدى بعضهم بديمقراطية الواحد في المائة.  نجاح العديد من الأحزاب المحافظة واليمينية في إنتخابات العديد من الحكومات الأوروبية على مدار الأعوام الماضية.

إضافة إلى ارتفاع نسبة العنف والجريمة في العديد من المجتمعات حول العالم وكذلك نشوء بعض الحركات المتطرفة التي تهدد الكثير من البشر والمتبقي من السلم حول العالم.

أحداث "#حياة_السود_مهمة" التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية على مدار السنين الماضية.  كما العديد من الإنتهاكات التي شهدتها العديد من مدن أوروبا وبعض مدن أمريكا ضد المهاجرين من المسلمين وغيرهم.  إضافة إلى ظهور حركات أكثر تطرفاً كالقاعدة في أفغانستان وداعش في المنطقة العربية.

ويرى العديد من علماء الإنسان والإجتماع كما المنظرين والمحللين السياسيين حول العالم بأن كل هذه الإشكاليات ما هي إلا تبعيات ونتائج لأسباب جذرية تتعلق بالكثير من اللاعدالة الموجودة حول العالم سواءاً بالعلاقة مع الواقع الإقتصادي أو السياسي أو الإجتماعي.

"إنْ لمْ يجرِ بينكمُ التبادلَ بالحبِ والعدل، شرهتْ فيكم نفوسٌ وجاعتْ أخرى."  جبران خليل جبران

وحيث شهدت المنطقة العربية العديد من الثورات والهبات الشعبية منذ بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة، فلقد رأينا عودة واضحة لهذا المصطلح كمفهوم وفكر ليس فقط على مستوى خطاب بعض الأحزاب السياسية والحكومات وأنما بشكل أكبر وأوضح، عبر الخطاب الشعبي الذي فرض نفسه على الجميع بما فيهم قطاع المجتمع المدني الذي لا يمكن له التخلي عن هذه المسؤولية تجاه القطاع الأساسي الذي يتوجب خدمته والانصياع لاحتياجاته وأولوياته ورؤيته.

فلسفياً ومفاهيمياً، وكما يوضح المنظّر السياسي ديفيد ميلر في كتابه "العدالة لأبناء الأرض - مقالات في الفلسفة السياسية" والذي جمع مقالاته عن العدالة والتي كتبها ما بين الـ 2000 – 2010، فلقد أنتج الربع الأخير من القرن العشرين وفرة من النظريات والأبحاث والدراسات الجديدة التي قد تعتبر مفيدة على الكثير من المستويات.

لكن برغم زخم الأحداث وكذلك الإنتاجات في هذا المجال محلياً وإقليمياً ودولياً، إلا أنه وحتى الآن لا يوجد أي مؤشر حقيقي على ظهور أي توافق في الآراء حول كيف يجب أن نفهم أو أن نفسر العدالة أو أن نطبقها، وذلك لوجود العديد من المدارس الفلسفية (الليبراليين المساواتيين، والاشتراكيين، والإصلاحيين، واليساريين، والثوريين أو الجذريين، والاقتصاديين، وغيرهم) التي تطرح المفهوم في سياقاتها المتعددة، المختلفة أحياناً والمتقاطعة في بعض الاتفاقيات أحياناً أخرى.

أما التفسيرات التي تجمع ما بين المبادئ والممارسات، فنرى من خلال العديد من التعريفات التي قمنا بإختيار البعض منها كأمثلة، أن مستوى التقاربات أكثر من الإختلافات وإن استند الكثير منها على العديد من المدارس الفلسفية بدون شك.