"الشبابُ لن يكلَّ همُّهُ أن تستقـلَّ!"

  • رقية العلمي

الهوية الثقافية جذورها راسخة في فلسطين، وفي الأحاديث حول "الصراع" العربي الإسرائيلي معظمها متصل بالسياسة بضمنها الفن والإبداع والتراث والفن التشكيلي واليدوي، فغرزة التطريز تعزز الصمود.

ينطبق ذلك على الأمثال الشعبية والأكلات والممارسات الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني كلها إمتداد للسياسة لأنها مسألة وجود وبقاء وإثبات الحق في الأرض وكل موروثاتها.

 

وكذلك الموسيقى بكل أطيافها: مؤلفيها وجوقاتها الكورالية وفرقها ومبدعيها من شباب وشابات في الوطن وخارجه؛ كانت وسيلة مؤثرة وقادرة على إبقاء فلسطين حية في الذاكرة أداة تحاكي حياة الشعب الرازح تحت الاحتلال منذ نكبة (1948) وحتى الآن.

مسألة وجود

يبين كتاب "الموسيقى والغناء في فلسطين " إلياس وسليم سحاب (1990):

تأسست الإذاعة الفلسطينية في القدس عام (1936) استقطب أثيرها المواهب الموسيقية الفلسطينية والعربية كما تعتبر الأوركسترا الوطنية الفلسطينية يافا (1935) من أقدم الاوركسترات عربياً.

حول الموسيقى تقول سامية ناصر خوري في كتابها "تأملات من فلسطين: رحلة الأمل (2014):

الموسيقى بالنسبة للفلسطينيين كانت هوية ثقافية موازية للهوية النضالية. ففي خضم وحشية وعبثية الاحتلال، كانت الموسيقى ملاذاً للشعب الفلسطيني. إن مشاهدة الأطفال وهم في طريقهم يحملون الآلات الموسيقية لتلقي دروسهم هي بالفعل نعمة. التعليم على العزف فرصة للتعبير عن أنفسهم متحدين العقبات والحواجز التي تكبح حياتهم اليومية حيث تحتضن الموسيقى حلم التحرير.

أوركسترا

يقول إدوارد سعيد بإن الأوركسترا الوطنية الفلسطينية هي تشبيك وربط مع العالم، نشاطاتها الموسيقية موازية و مناهضة للاحتلال لم تُشاهد فقط في فلسطين ولكن أصواتهم وكلماتهم سُمعت في العديد من الفعاليات التي أقيمت حول العالم.

تأسس معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى (1993) في القدس بهدف تنشئة جيل قادر على إحداث تغيير نوعي في الواقع الثقافي الفلسطيني من خلال التدريب على الموسيقى الكلاسيكية والعربية والغربية وتنظيم أمسيات وعروض محلياً وعربياً وعالمياً، في (2012) أفتتح فرع للمعهد رسمياً في غزة.

تقول ديما خشان مواليد القدس (1995):

تجربتي في العزف على آلة الكمان كانت من التجارب التي أغنت تجربتي الحياتية ووسعت مداركي. كطالبة في معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى وكعضو في أوركسترا فلسطين الشباب، استطعت أنا وزملائي الموسيقيين أن نوصل صوت فلسطين، حيث أقمنا حفلات موسيقية في دول عديدة في أوروبا وأميركا والدول العربية. كان تفاعل الجمهور بعد كل حفلة يعطينا دفعة للمضي قدماً والسعي من أجل نشر الألحان الموسيقية بالأنامل الفلسطينية في جميع أنحاء العالم. الموسيقى هي لغة العالم ستوصلنا إلى جميع بقاع الأرض دون إستثناء.

قابلها فرق موسيقية فلسطينية وجوقات غنائية أسست لها شرائح ثقافية في الدول العربية، ساعدت تواصل الجيل الذي نشأ في المنفى مع فلسطين، ذات آن عرفت شعوب الدول المضيفة الإرث الفني الفلسطيني..

مثالاً "كورال عباد الشمس" التابع لاتحاد المرأة الفلسطينية أسسته فيحاء عبد الهادي في القاهرة (1986) هدفه الحفاظ على الهوية واللهجة الفلسطينية، أعضائه من الشباب المصري والفلسطيني.

وفي الكويت أسس صبحي غوشة "جمعية يوم القدس" (1987) بضمن النشاطات تدريب الشبيبة على الفن الشعبي الفلسطيني وتقديمه ضمن فعاليات "أيام القدس" السنوية فبقت المدينة حاضرة في ذاكرة أطفال فلسطين في الكويت.

محمد عساف أول فلسطيني يفوز بلقب "محبوب العرب"، نشأ في مخيم خانيونس للاجئين في غزة. يصف نفسه  "ابن فلسطين وابن الأونروا" عشية فوزه باللقب (2013) قام المفوض العام لوكالة (الأونروا) فيليبو غراندي بتسمية عساف (23 سنة) سفير إقليمي للأونروا للشباب للاجئي فلسطين. حول التعيين صرح غراندي: "موسيقى عساف لغة عالمية، رائع أن يقوم لاجئ فلسطيني من غزة بتوحيدنا بهذه الكيفية".

في (2015) تحولت قصة حياة وصعود محمد عساف إلى فيلم "يا طير الطاير" مستوحى من قصة نجاح شاب فلسطيني استثنائي، انطلاقاً من المحلية الضيقة والصعوبات داخل المخيمات، وصولاً إلى النجومية الإقليمية ثم للشهرة العالمية في مجال الطرب والموسيقى. صُوّر الفيلم في فلسطين وفي الأردن بأداء شباب وشابات من لاجئي فلسطين.

يطرح العمل قصة شاب وشقيقته، من خلال سعيهما إلى تحويل العقبات التي تواجههما في حياتهما إلى انتصارات، وجعل المستحيل ممكناً، فيتمرّدان على الفقر و يواجهان قمع الاحتلال فتتحول البشاعة والقبح إلى جمال وتميّز .

والفيلم ليس فقط حكاية عساف بل قصة جيل كامل من الشباب الفلسطيني بث رسالته عن طريق الفن من داخل الدمار والمعاناة.

موسيقى القدس

بقيت القدس مصدر إلهام للشباب في الموسيقى غناءً وتأليفاً وعزفاً، وللحد من عزلتها قام "بشار أبو شمسية" بترتيب جولات للبلدة القديمة "القدس في الليل حلوة". كما يقدم عازف العود "كنعان الغول" عروض موسيقية حية داخل أسوارها. "القدس بعد منتصف الليل" ألبوم للموسيقار سهيل خوري يتضمن معزوفة "رام الله القدس وبالعكس" تحاكي عزلتها وصعوبة تخطي الحواجز العسكرية.

في (2013) تأسست فرقة "بنات القدس للموسيقى" أحد أفرع معهد إدوارد سعيد تضم 30 فتاة يجدن أداء الموسيقى والعزف على الآلات الشرقية والغربية لباسهن الرسمي الكوفية والثوب.

صدر للفرقة أسطوانة بنفس الاسم ضمت معزوفات حول القدس وغزة والأرض وتفاصيل الحياة تحت الاحتلال.

وفي الحديث عن الموسيقى لا ننسى ريما ترزي التي قامت بتلحين الشعر الفلسطيني للعالمية. كما وكتبت العشرات من الأغاني والأناشيد الوطنية مثل "يا قدسُ"  ونشيد الأطفال "بيسألونى مين أنا؟ أنا طفل فلسطيني!"

في الختام موطني لإبراهيم طوقان (1934) النشيد الفلسطيني الذي بقي ساطعاً ومتألقاً بعد 8 عقود على تأليفه. اشتهر الموسيقار عمر كمال مواليد نابلس بتحديثه وعزفه على الآلات الشرقية والغربية معاً.

وموطني نشيد الشباب العربي يعزز الشموخ وشحذ الهمم والتضحية من أجل الأوطان، الشبابُ لن يكلَّ همُّهُ أن تستقـلَّ!