ثقوب

  • وسام عويضة

هل شاهدتم قبل الآن عصفوراً يموت؟

الشوارع ما تزال رطبةً تفوح برائحة الليل، والعشب النافر

الذي يقهر حواف بلاطات الشارع يلمع بالندى مع أول خيوط الشمس المسكوبة ذهباً، الحياة لم تبدأ بعد ضجيجها، المدينة تتثاءب وتنفض عنها بقايا أحلام الليل.

 

يستيقظ الحي متأخراً يوم الجمعة، لهذا بالذات أختار صباحاتها لرحلتي، رحلة البحث عن أنفاسي التي ابتلعها غرقي في قلقي الليلي المعتاد، رحلة لقائي مع وجه المدينة الحقيقي.

أعلق بندقية الصيد المضحكة خاصتي على كتفي، وأترك لقدمي حرية اختيار خارطة طريقها، أتنفس بعمق هواءً لذيذاً، وأتخيل الفكرة التي تنبت في رأس سيدةٍ تطل برأسها من شرفة تخبئ خلفها عالماً لا أعرفه، وأفكر: كلنا غرباء.

 

هل شاهدتم قبل الآن عصفوراً يموت؟

تبدو المدينة كأستوديو معدٍّ لاستقبال جلسة تصوير، مشهدٌ ينبض بالتفاصيل، ينتظر ممثلين تأخروا عن مواعيدهم، أنا فقط أملأ المشهد بحضورٍ إنساني قلق، أنا وبعض العابرين بحضورٍ بلاستيكيٍ شاحب نزعج صباح المدينة ونربك لحظات سلامها الصباحي.

أعبر خطوط الشوارع المتوازية بخطواتٍ واسعةٍ وحذرةٍ وكأني أخشى أن أوقظ غولاً نائماً.

ثمة الكثير من العصافير تصنع جوقة ضجيجٍ محببٍ، وغربانٌ تستقبل يومهاً بتحليقٍ صباحيٍ صامتٍ إلا من بعض الصرخات هنا وهناك، صرخاتٌ تبدو كصلاةٍ صباحية خاصة.

 

هل شاهدتم قبل الآن عصفوراً يموت؟

أظن الطيور كائناتٍ مسرحية بامتياز، تجيد الكوميديا السوداء بشكلٍ يبعث على الرثاء، ثمة عصفورٌ غريب يسكن في ثقب منسي صنعه الرصاص في صراعٍ داخلي على واجهة برج سكني يقابل ما كان يسمى (مجمع الوزارات)، البناء الذي قتلته الحرب ودفنّا ركامه في شوارع المدينة، وثمة غربان جعلت من بقايا ركامه منزلاً. لا يبدو ذلك العصفور عابئاً بثقب الذاكرة هذا، ويواصل صناعة حيواتٍ أخرى داخل ثقبٍ كان ليكون في جسد أحدهم، وعائلة الغربان تلك تنعق كعادة الغربان دون أن يزعجها غياب سلسلة المباني التي كانت تشكل جزءاً من ذاكرة المكان قبل أن تجعل منه الطائرات خراباً هائلاً ذات حرب.

 

هل شاهدتم قبل الآن عصفوراً يموت؟

أجلس في (حديقة الكتيبة)، المساحة الخضراء الجميلة التي تتوسط خراب الحيّ (تل الهوا)، خراب تتجاهله المدينة ولم يعد يلتفت إليه أحد، أشعل سيجارةً وأراقب العصافير التي ترعى البقايا المتروكة على بساط العشب الأخضر الممتد بين الحديقة ومبنى (دار الكتب) العاري، أفكر في البندقية المعلقة على كتفي ولا أشعر برغبة في قتل أي كائن.

يقف مبنى (دار الكتب) مكسوراً هناك في وسط (الكتيبة الخضراء)، لم تسكن الكتب يوماً هذا المبنى، تسكنه فقط أسراب من السنونو، وقبائل حمام، وتشكل ثقوبه الكثيرة مدينة من طيور الدورِيّ التي تدمن حياة الثقوب، لماذا أرسلت الطائرات قذيفة واحدة تركت المبنى مكسوراً وعارياً إلا من أعمدته الإسمنتية وسقوفه الخراسانية الخمسة، لتتركه منحنياً إلى الغرب باتجاه البحر وكأنه يمارس سجوداً طويلاً في الاتجاه الخطأ؟

إلى جوار المبنى يجلس كقزمٍ غريبٍ مبنى (قرية الفنون والحرف) بجدرانه الطينية وسقوفه المقببة التي بنيت كشاهدٍ على ذاكرة تكاد تموت، والآن يموت هذا المبنى في هذا الركن منسياً وغريباً وقاحلاً، رغم وجوده على بعد خطوات من هذا الخزان البشري الذي يدعى جامعة الأزهر.

أدور في مساحة الحديقة وكلي إحساس بالفراغ، أتفرج على ذاكرة تتآكل، وجمال تحاصره ذاكرة الدم والدمار من جهاته الأربعة، ويزحف عليه الإسمنت من كل ناحية.

 

هل شاهدتم قبل الآن عصفوراً يموت؟

لست سادياً، ولا أشتهي رائحة الدم، غير أني احترفت الصيد منذ كنت طفلاً منبوذاً يعيش في هذا الحي، كنت أهرب إلى حيث لا يضطهدني أحد، أتحرك وحدي وأكتشف كيف تبدو رفقة العصافير ووحشة كروم العنب التي اختفت في العشر سنوات الأخيرة تحت وطأة زحف الإسمنت والناس، أخفت وأخذت معها أفقاً مفتوحاً كان يطل على البحر من كل صوب.

الصيد هروبٌ من الذاكرة إلى الذاكرة، بحثٌ يأخذك إليك وحدك.

 

هل شاهدتم قبل الآن عصفوراً يموت؟

أعرف جيداً كيف تموت العصافير، تموت هذه الكائنات بصمت، بلا ضجيج ولا صراخ، بلا احتفالاتٍ ولا صورٍ تخلد ذكراها، بلا سجلات تحفظ أسماءها، ولا يفتقد غيابها أحد.