فـي غَـزّة

  • مرام أبو عرقوب

قبل سبع سنواتٍ أُطفِأت أنوار مدينة غزّة، ولم يعد يُسمع صوت الطفولة فيها،  وكانت الطائرات التي يحبّونها  والتي تشكّل جزءاً من أحلامهم

تأتيهم بالموت والفقد،  فامتلكت المدينة أسرع طريق إلى السماء، عشرات الأطفال صعدوا إلى السّماء وأصابعهم النّاعمة كانت مفتتة من الدّمار، وأجزاء من أجسادهم ليست موجودة، وربما ممددة بهدوء قرب نصف رأسهم الموجود، وأمهاتٌ تركنَ أطفالهن تحت الركام وغادرنَ وقد بقيت قلوبهنّ علىالأرض، وبعد أن حصد الموت وجودهم، وبعد أن مزّق أحدهم دفتر عائلته لأنّ كلّ أبنائه استشهدوا، سُمِعت الأصوات التي تهتف بانتصار غزّة، توقف ركض الصحفيّين في أنحائها، وتلاشى سباق القنوات على عرض الأخبار المفاجئة والمباشرة، لكن كان هناك حياة لم تلتقطها الصّور، وأصوات اختنقت قبل أن تصل الكاميرات وتسجلها، وهناك أناس لم يعرفوا عن أيّ انتصار تحدثنا، كان هناك حرب لا زالت قائمة على جوانب الطرقات،  وأرواح لا زالت تحترق، كان هناك مآذن مالت على البيوت واحتضنت السكان قبل نومهم الطويل، وحدهم يعرفون أن الحرب الحقيقة تبدأ بعد النهاية، فالمجزرة تمنعهم حتى من ممارسة أحزانهم، لا تسمح لهم بأخذ نفسٍ بين الموت والآخر،  يدركون حقيقة أن الحرب تأتي بعد أن ينتهي صوت الرصاص وبعد أن يتوقف القصف وبعد أن يعود كلٌّ لمكانه فاقداً منزله وأهله وأطفاله وحتى يديه، لحظة تمَعّنهم بالرّكام الذي لم يعد يخبّئ الحكايات ولم يعد ذلك المأوى الآمن في عيون الأطفال.

 

وتعود مأساتهم لتتكرر مرة أخرى، وتعود إليهم الأعياد الحزينة والليالي المخيفة، لكنّ أهل غزّة يحكون حكاياتهم للعالم بطرق أخرى، ويحملون رايات بلادهم بقلوب واثقة، حين مسّ الأقصى جرحٌ، قاموا من تحت الرماد كالفنيق، هم شعراء إن تطلب الأمر كلمة، وحجر إن تطلب الامر ضربة، وهم انتفاضة وثوّار حين يتطلب الأمر مقاومة، قوم إن هزَزْت شعرهم تتساقط إليك قصصهم الشجاعة تباعاً،  وتبسط أمامك تاريخاً من العزّة والكرامة، ولونظرت إلى سمائهم لرأيت وجوه الشهداء مرسومة فوق أكتاف الغيوم، قوم إن لامستَ أحجار بيوتهم فكأنما  صافحتَ شهيداً أو ثائراً، وإن تظللت بأشجارهم عرفت معنىالحياة.

ستدرك قوّتهم وأنت ترى علامة النّصر تخرج من تحت الرّكام، سيذهلك صبرهم وهم يخرجون أبناءهم قطعاً، وهم يغلقون آذان صغارهم حين يدوي صوت الانفجار،  طفل واحد يستطيع أن يعلّم الصامتين كيف يُدافَع عن مسرى النبيّ، امرأة واحدة ستجعلك تعرف كيف هو الصراع لأجل البقاء،  طبيب واحد سيخبرك بأن التعقيم هناك لم يعدمهماً، وستجد فتية عرفوا عن الأرض ما لا نعرفه نحن، فتى يقف من وسطهم يبحث عن والده، يرغب لو يمسك يد  العالم لمرة أخرى بعد يأخذه نحو الحرب، لو يقبض وجهه بكل قوة، ويصوّب عينيه نحو صور الموت، يريد وجهاً واحداً  ليسأله: "هل هذا الموت كافٍ؟ هل هذا الوجع كافٍ؟"

لو يسأل أكثر الأسئلة إيلاماً:  لماذا هم ؟ وماذا فعلنا بعدهم؟

سيسألنا عن وحشيّة الموت:  هل تريدون موتا بتفاصيل أدق؟

يركض الفتى يبحث عن صوت والده، ويبكي كأنّما مات أهل الأرض جميعاً،

وتساءلت طويلا كيف لكل  هذا الثّقل المكوم خلف عينيه أن يخرج على شكل دموع صافية كتلك؟ كيف لكل الأنين في قلبه أن يخرج بصوت واثق وحزين؟

لكنّ الإجابة المسَلّم بها، أنه من أبناء غزة، أرض الحرب ومهد النصر، أرض الحق والثأر...إنها غزة.