إلى أن نعود

  • غسان كنفاني

مع أشعة الشمس التي كانت تأكل رأسه وهو وحيدا في صحراء النقب، كان يسمع صخب أفكاره في رأسه كأنها مجموعة مسامير تدق.. ولا تنغرس.

إن أنفه يعمل الآن تماما كما تعمل البوصلة، وهو يشعر أنه يقترب من هدفه، أنه يعجب لنفسه كيف لم ينقطع عن التفكير العنيف طوال هذه الساعات، لقد فكر في هذه الساعات كما لم يفكر أبدا طوال ثماني سنوات.

ويغرس قدميه في الرمال الناعمة، ويقتلعهما كما تقتلع قطعة الخشب العتيقة عن غراء لم يجف بعد كما يجب، ثمة أحاسيس ضخمة تمتلك عنه ذكرياته، إن هذه الأحاسيس لتتداخل في بعضها وتتشابك حتى ليشعر أنها لازمته زمنا طويلا، ويصعب عليه الآن أن يتصور نفسه كيف كان بدونها.. أنه عطشان إلى حد يشعر فيه بأن حلقه أضحى جافا جامدا، فلم يعد ثمة ضرورة لبقائه، ويشعر بالتالي أنه تعب، مرهق، يكاد يتهاوى، كأنما انتهى لتوه من شد قارب كبير من البحر إلى رمل الشاطئ المبلول لكنه مع هذا كله، كان يسير، مندفعا كأنه يسابق نفسه، كان نصفه العلوي يتقدم منحنيا عن بقية جسده.. فالرمل الناعم يعيق سرعة قدميه، كان قصيرا، اسمر البشرة، محروقا، لم يكن في وجهه أي شيء يستلفت النظر لأول وهلة، كل ما هنالك أن لفمه شفتين رقيقتين تنطبقان في تصميم، أن شكل وجهه يثير في الإنسان _ لدن تدقيق النظر شعورا بأنه يشاهد حقلا صغيرا، بل وأكثر من هذا، فإن الخطين اللذين يشقان جبهته يحب الإنسان أن يشبههما بآثار((شفرات)) محراث مر لتوه من ذلك المكان..

لقد بدأت رائحة أرضه تذيب أحاسيسه، شيء جميل أن يشم المرء جزءا من ماضيه، إن رأسه الآن تنفتح كأنها صندوق عرس منقوش بالصدف ويحوي كل شيء، ويرى فيه داره الصغيرة الرطبة، وزوجه ترش التراب بالماء، ثم يرى نفسه آتيا من حقله بقدميه الموحلتين، إن الصورة يراها أمامه هكذا، بل وأكثر من ذا، كأنه يستعيد منظرا عاشه قبل دقائق فحسب، إنه يرى الصورة بكل تقاطيعها الدقيقة، حتى ليرى نفسه كيف يسير، لم يتيسر له قبل الآن أن يراقب سيره بهذا الوضوح وهذا الإمكان.

وهو يقترب من أرضه، هكذا يشعر في أعماقه عندما بدت له أول (بيارة) من (بيارات) أهل قريته، ابتدأ الصوت الذي ودعه على فوهة النقب الجنوبية يدق رأسه، ويتجاوب صداه في جسده:

- "هي أرضك، ألم تعش هناك؟ حسنا، إنك تعرفها أكثر من سواك، في واحد من الحقول بنا اليهود خزانا يسقي المستعمرات القريبة، أعتقد أنك فهمت، إن الديناميت الذي تحمله يكفيك…".

لم يتكلم بعدها، بل انطلق عبر النقب وحيدا، وحيدا إلا من هذه الزوبعة التي تثور في أعماقه.. وها هي أرضه، حيث درج يلهو، تستلقي في أحضان الجبل باستسلام.

و انزلق بين الحقول الخيالية في حذر، مستمدا من رائحة ترابه شعورا بقدرة لا تقهر، وأصابعه تطبق على سكينه في تهيؤ وحشي. إن رأسه تشتط به وتختلط في تاريخ الحقول التي يعرفها جيدا، ويجد عنتا شديدا في العودة إلى الحقيقة..

وعندما استدار حول حقل كان لأبي حسن- جاره- في يوم من الأيام، رأى نفسه يشد رأسه عاليا وهو يرقب بشعور غامض خزان المياه، يرتفع كأنما ليصل الأرض بالسماء.. ليؤمن لها الماء. لكنه ساءه أن يقف الخزان، هكذا، في الحقل المعطاء.. إنه بوقوفه هذا يشوه إحساسا جميلا أحسه هو، وجميع جيرانه، طوال حياتهم.. إنهم، الفلاحين، يحسون الأرض إحساسا بينما ينظر سواهم إليها كمشهد عابر، إن أي حقل، يبعث بالفلاح شعوراً تلقائياً بأنه- ذلك الحقل، يلقي على موجوداته ظل الأبوة مهما عظمت، فيشعر الإنسان أنها في حماية قوة غامضة، هائلة، مخيفة، لكنها محببة..

ولكن الخزان يدمر هذا الإحساس، وهو واقف هناك كحقيقة مرة تعطيه نوعا آخر من المشاعر، بل أنه يحس إحساسا عميقا ساكنا بأن الأرض نفسها ترفض الخزان.. لا تريد أن تحميه، إنه يعني شيئا آخر، غير الري والماء، شيئا كبيرا داميا كالمأساه.

وحبس أنفاسه وهو يرقب من خلال العواسج أرضه التي انكسب عليها عرقه ليخلقها من العدم، هاهو إذن البيت الصغير الذي كان يأوي إليه مع زوجته أيام العمل المتواصل في موسم الحصاد، فلقد كان بيتاً جميلاً على ما فيه من تواضع، أما الآن، فلقد تهدمت ناحية منه، والناحية الثانية التي تتكئ على صخور الجبل قد علاها الغبار وصبغتها ذرات رصاصية من دخان ( الموتور )، إن الخزان يقتحم حياته بشكل مزعج، لقد أقيم في الساحة التي كان يجلس فيها وزوجته قبل أن يناما، يتحدثان فيها عن الذرة والقمح، لقد كان في مكان قائمة الخزان الأقرب للدار شجرة أجاص فريدة من نوعها، كان يحبها ويعتني بها، هنا، قرب الباب المتداعي كانت تنام زوجته في ليالي الصيف، كان في تلك الأيام يدعو جيرانه للجلوس، فتسر زوجته وترش الساحة بالماء فتكسبها رطوبة محببة.

وفجأ، وبدون أي سابق إعلام سقطت من أعماقه اللاواعية إلى حياته الواعية صورة مدوية مروعة، اجتاحته كالطوفان، هوت إلى حواسه كلها دفعة واحدة فشغلتها كلها، قبل أن يرحلا بيوم واحد..

بيوم واحد فقط، دخل اليهود إلى البيارات، ووجد أن عليه أن يترك ولو إلى حين- ذلك العطاء، وجر زوجته وترك أرضه، وسار.. إلا أنه قبل أن يجتاز باب حلقة المقطع، دنا إلى زوجته، والفى نفسه مشدوداً إلى دمعة كبيرة في عينيها الواسعتين .. كأنما هي ذوب حنين ... كان يريد أن يقاوم لكنه رأى نفسه محاطاً بالتساؤلات التي غرستها دمعة زوجته في عروقه الزرقاء: إلى أين؟ وأرضك؟ أليس من الأفضل أن تعيد إلى التراب عطاءه لحماً ودماً؟

ودون أن يتكلم، سحب زوجته من يدها إلى حلقة، ولم يستطيع ابداً أن يحرر نفسه من النداء الطيب في العيون الواسعة.

في تلك الليلة.. شنق اليهود زوجته على الشجرة العجوز بين الساحة والجبل، إنه يراها مدلاة عارية تماماً... كان شعرها محلوقا و مربوطا إلى عنقها وينزف من فمها دم أسود لماع .. لقد شدوا خصرها النحيل شدامجنونا، لم يكن في وجهها كله، ما يشير إلى أنها كانت، قبل هنهية، تملأ الساح رصاصا ونارا ودما، في ذلك الوقت، كان هو مربوطا إلى الشجرة المقابلة يشهد كل ما فعلوه عاجزا، لقد شدوه إلى الشجرة بحبال الحراثة بعد أن سلخوا ظهره بالكرابيج الجلدية طوال بعد الظهر، وتركوه يشهد كل شيء، تكروه يحدق ويصيح كالمنجون .. لقد حشوا فمها بالتراب عندما قالت له "مع السلامة" وماتت. وتركوه يمضي كي يموت بالصحراء مع ذكرياته..

إنه لا ينظر الآن إلى هذه الصورة نظرة المشاهد، لا، أبدا، إنها تتفاعل بأعماق أعماقه ويحسها ويراها تنسكب على أعصابه كالرصاص المذاب، إن ذاته تتفاعل الآن مع الماضي بشكل عجيب، لم يستطيع أن يخلع نفسه من الصورة الدموية، ولا أن يخلعها من نفسه، كان حاضره يمتزج مع ماضيه مزجاً معقداً، إن صوت استغاثات زوجه وأنينها المقطع المحروق، وصوت أسنانها تمضغ التراب، وصوت حنجرته وهي تطبق على صياحه في بحات هستيرية، كل هذا، كان يمتزج امتزاجا متشابكا بصوت الانفجار المروع، وصوت الخزان العملاق يقتلع من الوجود.. ويمتص الدخان الأسود بعض أحاسيسه الدامية، ويرنو إلى الحطام بهدوء صاخب..

لقد عاد في المساء إلى خيمته، كان متعباً منهكاً، يحس كأنما قد تباعدت مفاصله عن بعضها، وعلى عضلاته أن تتوتر إلى الأبد كيما تنشد بينها، وأحس وهو يصافح الإنسان الذي ودعه قبل أن يذهب إلى مهمته أنه لا زال في المعركة التي بدأت منذ زمن بعيد.. وسمع صوته: ماذا؟ انتهى كل شيء على ما يرام ؟

- وهز رأسه في إعياء.. وعاد يسمع صوت الرئيس:

- هل أنت تعب؟ وهز رأسه نفيا وهمس بصوته العميق المجروح:

- هل أعددت مهمة صباح الغد؟

ووصله صوت رئيسه من بعيد :

ولكنك لا تستطيع أن تتابع غدا.. يجب ان تستريح ..

-ودون أن يفكر أجاب: بل أستطيع ..

- إلى متى تحسب أنك تستطيع أن تواصل على هذه الصورة ؟

قال وهو يسند رأسه على كيس المتفجرات :

- إلى أن نعود..

 

دمشق 24/6/1957