في غزّة خيطٌ من نورٍ وأملٍ

  • رأفت أبو الهيجا

كانت الحرب في أيامها الأخيرة، عندما تشعر بالهدوء المُزعج يُعشش في كل زاوية من زوايا الحيّ، البيوت التي تناقلت الأخبار بكافة أشكالها لا أحد يُطلّ من شبابيكها اليوم،

الباعة المتجولون الذين يحملون همومهم فوق البضاعة حيث لا طاقة لأجسادهم الهزيلة بحملها لم يحضروا، فكّرتُ بشكل ضيّق وبما ترك صوت القصف في عقلي من مساحة إلى أين ذهب الجميع؟ لماذا هذا الصّمت المُستفزّ! هل هي نهاية الحرب؟ أم هي نهايتي أنا؟ بصاروخٍ ربّما كما حدث مع بيت جيراننا من الناحية الشرقية حيث سُوّي المنزل بالأرض؛ حينها لم يُزعجني شيء بقدر ما أزعجتني أشعة الشّمس التي أصبحت تُضيء غرفتي، ليس لأنني لا أحب الشمس أو النور، ولكن لأنّ ثمن هذا الضوء الصباحيّ كان بناءً بثلاثة طوابق وتسعة أرواح.

في غزّة طفلة لم تر من العالم سوى سحابة دخان، طفلة عايشت ثلاثة حروب على الأقل وما زالت تبتسم، تركض، تحلم، وتفرح في أوقات السّلم، وعند الشدائد تراها تنصب المتاريس وتُلقّم البنادق، تقصقص الملابس البالية بشكل طوليّ لتغلق بها فوّهات زجاجات المولوتوف! وفي عينيها بريق غريب لا يفارقهما تستعصي على فهمه أعتى التّرجمات وأغنى اللغات.

في غزّة لا أحد يُرتّب الموتَ ولا أحد يرفضُه أيضًا، فالجميع سواسية؛ قنابل الفسفور الأبيض وصواريخ الأباتشي لا تُميّز بين أحد! وهناك بين الرّكام ومهما اشتدّ القصف وبعد انتهائه ترى خيطًا من نور وأمل ينسلّ من تحت الأنقاض صارخًا قبل أن يبتسم ويتلاشى في الهواء: أن مهما قصفتم؛ هُنا باقون!

في حارتنا الضيّقة، زقاق صغير باردٌ جدًا، عند دخوله تسري في جسدك رعشة خافتة، جُدرانه على الجانبين رماديّة شاهقة تنبعث منها رائحة طلاء جديد، وفي نهاية الزّقاق باب أزرق يأكل الصدأ منه كل يوم قطعةً صغيرةً، وعلى جانبه الأيمن أصيص زهورٍ باهت اللون متوسّط الحجم فيه شتلة ورد صغيرة، يسكن البيت عجوز فقد ابنه وزوجته وحفيديه في حرب سابقة لا يملك فيها ولا يرجو منها أيّ فائدة، صبورٌ كشجرة سرو شاهقة لا تملّ رؤية الجميع من الأعلى، لديه حضورٌ صارخٌ كحضورِ زهرة أمام دبّابة حربيّة! وبعد كلّ حرب يُطلّ علينا من خلف بابه الأزرق متواريًا ضاحكًا كبطلٍ بألف وجهٍ مهما كانت الخسائر.

في غزّة شُرفة صغيرةٌ تُطلّ على ازدحام المدينة، يدنو من جانبيها سورٌ عتيقٌ ذو حجارة كبيرة بأسطح ملساء وأخرى متوسطة الخشونة، يبدو من بعيد كلوحة فسيفساء عتيقة ترى تضادّ الألوان فيها بتمعّنٍ ولا تملّ النّظر، وفي نصفه العلويّ اعتدت عليه أشجارُ الياسمين وتمكنّت منه واستوطنت حتى لا تكاد تميّز انفصالهما، بياض الأزهار الذي ينفض عن نفسه سواد الحرائق ويتجنّب برقّة أصوات الطائرات المقاتلة معجونٌ بالسور متجذّر بين فواصل الأحجار عصيّ على السواد صامدٌ صمودَ أهلِ المدينة.

في غزة قلب شابّ ميّت ولكنّه ينبض بالحب، مثقلٌ بكلّ ما يخطر ببالك من هموم، خفيفٌ كورقة شجرة يابسة تطفو فوق سطح الماء، تُنغّصه ويلات الحربُ وتفرحه زيارة خاطفة لجدّته طاعنة السّن، هُناك حيث تطول هذه الزيارة بناءً على رغبتها، وفي الطريق يمرّ بجانب بيت فتاةٍ لمحها فقط عدّة مرّات وهي تنفضُ غسيلًا مبلولًا فوق السطح، حيث لمعت ألوان الملابس في قلبه وتفجّرت وكأنها ولّدت داخله معنى للحياة، أحسّ بأنّ فُتات قلبه يتجمّع مع كل قطعة ثياب مبلولة تُرتّبها برفق فوق الحبال الحديديّة! فيعود بيته في المساء مُتخمًا طعامًا وحبًا!

في غزّة قارب صيدٍ صغير، بشراع مُهترئٍ ومحرّك بصوت خافتٍ يتسلّل بين الأمواج خلسة، دفّته تميل لليمين بشكل متكرّر بحيث يصعب السّيطرة على مساره في حالته المُسرعة، يجلس في مقصورته المتهالكة كهلٌ اشتعل الشيب في رأسه وحفيدٌ صغير يرتدي سترة زرقاء بلون الموج والسماء، يحمل بيده لعبةً خشبيّة قديمة اعتاد عليها وألفها حتى لم يعد يتخلّى عنها أينما حلّ وارتحل، تنفر من يد جدّه يده الصّغيرة الثانية حين يمرّ القارب فوق موجة غاضبة فيُعيد جدّه التقاطها بثقةٍ فتنعكس ابتسامة الصغيرِ البيضاء في الأفق لتتلاقى مع الأمواج  المتلاطمة وخطّ الشمس.

في غزّة وفوق ذلك كلّه توجد سماءٌ واسعة تحوي الجميع، سماء تلخّصت فيها دعوات الأمّهات وأماني الأسرى، سماء محفوفة بالتلاوات والتراتيل مُثقلة بغيوم الرّجاء، فيها أحلام اخترقت الأسلاك الشائكة واستكانت هُناك في انتظار متلهّف يترقّب نقطة الإنطلاق. في غزّة أرض تكفر باليأس والتهجير فمهما اشتدت المعاناة وعظمت ستمطر سماءنا حتمًا بماء الإنتصار وستنبت في حقلنا سنابل ذهبيّة تواجه الرياح وتقاوم بجذورها الصامدة كل محاولة اقتلاع.

أرشيف فلسطين الشباب