"الدين معاملة"!

  • أحمد البظ

الزمان نهارٌ رمضاني، المكان وسط سوق الخضار المزدحم، تتعالى فيه أصوات الباعة، والناس منهمكون بالشراء،

وبائع فواكه منشغلٌ بترتيب بضاعته وتجميلها وهو يصلي على النبي بصوتٍ عالٍ ويدعو المارين للصلاة عليه: “صلوا على النبي يا عمي، هي الفواكه الألف، قرّب قرّب”.

 

إحدى يديه منشغلة بترتيب الفواكه وتجميل منظر عرضها، ويده الأخرى لا تفارق المسبحة، يحرك أحجارها حجراً تلو الآخر، ويتابع ملأ عُلب الفواكه. يؤذن المؤذن لصلاة العصر في مسجد السوق القريب، يترك بائعنا كل ما بيديه ويتجه مسرعاً إلى المسجد وهو يتمتم بصوتٍ مسموع: “يالله، يا رب”، بل ويحث الباعة من حوله على اللحاق به.

فور دخوله حجرة الوضوء، يملأ المكان بصوت سلامه، ثم يتجه للصلاة خاشعاً، ربما ظاهرياً على الأقل. يصافح من يعرفهم فور انتهاء الصلاة وينسحب من المسجد. لكن وفور خروجه، يزاحم الخارجين لأخذ حذاءه بسرعة في مشهدٍ معاكسٍ لانتظام صفوف الصلاة، ويمضي في طريقه.

خلال طريقه لـ “بسطته”، يلقي بائعنا ما علق بجيبه من أوراق في عرض الطريق غير آبهٍ، ثم يصادف “مجنون المنطقة” فيؤذيه بمزاحه الثقيل ضاحكاً، دون أن يكترث لما ضاعفه من معاناةٍ لهذا “المجنون”، فتتعالى ضحكات جيرانه من الباعة.

يكمل البائع ملأ الفواكه في العلب، ويكمل معها تسبيحه، ولا ينسى بكل تأكيد إخفاء الثمار “المضروبة” في الأسفل، وإبراز الثمار الجذابة على واجهة العلب. وفور قدوم الزبائن، لا يتردد صاحبنا بالحلف بأن بضاعته هي الأفضل بالسوق، فينجح بخداع الزبائن واحداً تلو الآخر.

لا يمل بائعنا من استغابة الآخرين برفقة زملائه الباعة الذين يرغبون بـ “تسلية” صيامهم، يتنقلون من شخصٍ إلى آخر، يجلدون ذاكرتهم لاستحضار كل ما يتعلق بالمــُـستغابين ويستمرون.

فجأة، تمر فتاةٌ عشرينية، فيمزقها بنظراته الثاقبة، وقبل ابتعادها يصيح مشاركاً الباعة من حوله: “أستغفر الله، ربنا يعيننا على هالصيام”، فيثير انتباه كل من في المنطقة ليكملوا ما كان قد بدأه بائعنا.

في الحقيقة، ما هذا البائع إلا حالة تمثل ظاهرة منتشرة في مجتمعاتنا المحلية ألا وهي “التدين الشكلي”: صيام وصلاة واستغفار لا تنعكس على جوانب حياة مؤديها وسلوكه. لم تأت الأديان، إسلاماً ويهودية ومسيحية، لتنزوي في الصوامع والمساجد والكنائس، فـ"الدين معاملة".

أرشيف فلسطين الشباب