ما حُفر يوماً في الذاكرة

  • نادية جعبة

اجتاحتني السيول باندفاع أثناء سيري باتجاه المنحدر الموازي لسور القدس، تحديداً على الطريق الواصل بين باب الجديد وباب العمود،

وهما اثنان من الأبواب الرئيسية المؤدية إلى البلدة القديمة في مدينة القدس، حيث يحرس كل بابٍ المدينة على طريقته.

 

أتُراني الوحيدة التي مرت يومها ولاحَظت جدار الزمان هناك؟!

لم تغب عن ذهني صور وملامح الطريق القديم، وإني هنا أتحدث عن ذكريات أواخر القرن العشرين وبداية الألفية الجديدة.

غابت ملامح السوق العتيق، هو ليس كباقي الأسواق؛ فيه رائحة الطيبة، والبساطة، والعفوية، حيث يتجرد من كل مظاهر التكلف والتصنع، حيث تصدح أصوات الباعة في كل مكان.

قطعة الأرض نفسها، ونفس المساحة، متجملةٌ ونظيفةٌ جداً، وتشوبها الريبة.

نعم، المظهر بديع، والهواء لطيف، بقعةٌ تجتمع فيها الديانات السماوية الثلاث. يسير الناس هناك، فتلمح الرهبان والراهبات، والشيوخ والشباب..

بالمناسبة؛ لقد رأيت رجلاً يرتدي حطةً وعقالاً!

وبالعودة إلى جدار الزمان سابق الذكر، فإنني وعلى الرغم من تجولي هناك في ساعة الصباح الباكر؛ إلا أنني لم أعِش في تلك اللحظات إلا في ساعة عصر يومٍ من أيام عام ١٩٩٩ أو ٢٠٠٠م، حيث كنت أسير ممسكةً يد والدتي، تسأل الباعة عن سعر ذلك المنتج أو ذاك، وتداعب نسمات الهواء خصال شعري البريئة..

كان اسم السوق (سوق الفلّاحين)، أسموه هكذا!! يقولون أن بائعيه كانوا من سكان غزة على وجه الخصوص.

ضاقت الأرض بمُرتاديها؛ إذ لا تلمح هناك اليوم أي أثرٍ لتلك البسطات. اسمها بسطات، وكانت فعلاً بسيطةً، أُدرك أن روحي تبحث عن البساطة حقاً ليس إلا.

استنشقت آخر كمية هواءٍ بجانب آخر نخلةٍ راسخةٍ في نهاية الممر، ورفعت يدي لأُلامس جدار الحاضر، ومع آخر رمشة عين، أبصرت غرف المراقبة التي وضعت في السنوات الأخيرة على ناصية درجات باب العمود.

لم أبتع شيئاً من السوق يومها، كانت حقيبتي مملوءةً بأطنان الدفء الغامر للروح، فمعالم المدينة تغيرت جداً، ولكن ما حُفر في الذاكرة لن يتراكم أي غبار عليه.

أرشيف فلسطين الشباب