الفكر التربوي في فلسفة ابن رشد (١)

  • صالح أحمد

هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد ابن رشد ولد في قرطبة (1126 - 1198) . أبو الوليد قاضي، طبيب، فقيه، فيلسوف، فلكي، فيزيائي..

نشأ في أسرة من أكثر الأسر وجاهة في الأندلس، وعرفت بالمذهب المالكي حفظ موطأ مالك، وديوان المتنبي، ودرس الفقه على المذهب المالكي، والعقيدة على المذهب الأشعري.

 

يعد ابن رشد من أهم فلاسفة الإسلام. دافع عن الفلسفة وصحح علماء وفلاسفة سابقين له كابن سينا، والفارابي، في فهم بعض نظريات أفلاطون وأرسطو. قدمه ابن طفيل لأبي يعقوب خليفة الموحدين، فعينه طبيبًا له، ثم قاضيًا في قرطبة. تولّى ابن رشد منصب القضاء في اشبيلية، وأقبل على تفسير آثار أرسطو، تلبية لرغبة الخليفة الموحّدي أبي يعقوب يوسف، تعرض ابن رشد في آخر حياته لمحنة قاسية؛ حيث اتهمه علماء الأندلس والمعارضين له بالكفر والإلحاد، ثم أبعده أبي يعقوب يوسف إلى مراكش، وتوفي فيها (1198م).

 

انطلق ابن رشد في آرائه الأخلاقية من مذهبَي أرسطو وأفلاطون، فقال بالاتفاق مع أفلاطون بالفضائل الأساسية الأربع: (الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة)، ولكنه اختلف عنه بتأكيده أن فضيلتي العفة والعدالة عامتان لكافة أجزاء الدولة (الحكماء والحرّاس والصّنّاع). وهذه الفضائل كلها توجد من أجل السّعادة النّظرية، التي هي المعرفة العلمية الفلسفية، المقصورة على "الخّاصة". وقد قَصَرَ الخلود على عقل البشرية الجمعي الذي يغتني ويتطور من جيل إلى آخر. وقد كان لهذا القول الأخير دورٌ كبير في تطور الفكر المتحرِّر في أوروبا في العصرين الوسيط والحديث. وأكد ابن رشد على أنّ الفضيلة لا تتمّ إلا في المجتمع، وشدَّد على دور التّربية الخلقية، وأناط بالمرأة دورًا حاسمًا في رسم ملامح الأجيال القادمة، فألحَّ على ضرورة إصلاح دورها الاجتماعي في إنجاب الأطفال والخدمة المنزلية. وقد بسط ابن رشد أهم آرائه الأخلاقية من خلال شروحه على الأخلاق إلى (نيقوماخوس) لأرسطو، وجوامع السياسة لأفلاطون .

 

يرى ابن رشد أن لا تعارض بين الدّين و الفلسفة، ولكن هناك بالتأكيد طرقاً أخرى يمكن من خلالها الوصول لنفس الحقيقة المنشودة. ويؤمن بسرمدية الكون، ويقول بأنّ الرّوح منقسمة إلى قسمين اثنين: القسم الأول شخصي يتعلق بالشّخص، والقسم الثّاني فيه من الإلهية ما فيه. وبما أنّ الرّوح الشّخصية قابلة للفناء، فإنّ كل الناس على مستوى واحد، يتقاسمون هذه الرّوح، وروح إلهية مشابهة.

 

ويدّعي ابن رشد أن لديه نوعين من معرفة الحقيقة، الأول معرفة الحقيقة استنادًا على الدين المعتمد على العقيدة، وبالتالي لا يمكن إخضاعها للتمحيص والتدقيق والفهم الشامل... والمعرفة الثانية للحقيقة هي الفلسفة، والتي ذَكر بأن عددًا من النّخبويين الذين يحظون بملكات فكرية عالية توعدوا بحفظها، وإجراء دراسات جديدة فلسفية.

 

2- آثاره وتأثيره:

عُرفت فلسفة ابن رشد، المتوفى العام 1198، في عصر النّهضة الأوروبية، بـ"الرُّشدِيَّة اللاتينية"، التي سيطرت على العقل الغربي لأكثر من ثلاثة قرون. وقد سميت بالحركة الرُّشدِيَّة اللاتينية، لأنها أخذت عن ابن رشد أهم مبادئه الجوهرية في المنطق العقلاني، الخاصة بالفصل ما بين "حقيقة" العقل الخالص (البرهان المنطقي) و"حقيقة" الوحي الميتافيزيقي، والإيمان الرّوحي. وإذا كان ابن رشد قد رشّح برهان العقل معياراً للنظر في حقيقة الإيمان، وخلص إلى فكرة ازدواج الحقيقة، بمعنى الإيمان الروحي بـ"الحقيقة الدينية" بالنسبة إلى الشخص كمؤمن متدين من جهة، و"الإيمان" العقلاني بـ"الحقيقة البرهانية" بالنسبة للشخص نفسه ككائن تاريخي. وفي حالة تعارض "الحقيقتين"، فإن على الإيمان أن يلجأ إلى العقل الفعال.

 

باختصار: فابن رشد يرى أن العقل جزءٌ من النّفس؛ وإن كان مميّزًا عنها، وهو قوّة مشتركة بين البشر جميعا؛ وإن اختلفت مستوياتها. وتقسم هذه القوة إلى وظيفتين:- وظيفة عمليّة، وأخرى نظريّة .

- والوظيفة العمليّة: هي المبدأ المحرّك للجسد الإنساني؛ لتحقيق الوظائف والمهام والصّناعات الإنسانيّة .

- أما الوظيفة النّظرية: فهي التي تدرك حقائق المعقولات الكليّة، أو المجرّدة من المادّة والمحسوسات.

هذه الفلسفة التي بثّها في مؤلفاته الكثيرة التي كانت ولعصور طويلة؛ مثار إعجاب فلاسفة العالم، ويقسمها الدارسون إلى أربعة أقسام:

- شروح ومصنفات فلسفية وعملية.

- شروح ومصنفات طبية.

- كتب فقهية وكلامية.

- وكتب أدبية ولغوية.

وقد أحصى جمال الدين العلوي 108 مؤلف لابن رشد، وصلنا منها 58 مؤلفاً بنصها العربي.

- من شروحاته وتلاخيصه لأرسطو:

•             تلخيص وشرح كتاب ما بعد الطبيعة (الميتافيزياء).

•             تلخيص وشرح كتاب البرهان أو (الأورغنون).

•             تلخيص كتاب المقولات (قاطيفورياس).

•             شرح كتاب النفس.

•             شرح كتاب القياس.

 

- وله مقالات كثيرة ومنها:

•             مقالة في العقل.

•             مقالة في القياس.

•             مقالة في اتصال العقل المفارق بالإنسان.

•             مقالة في حركة الفلك.

•             مقالة في القياس الشرطي.

 

- وله ""كتب أشهرها"":

•             كتاب "مناهج الأدلّة"، وهو من المصنّفات الفقهية والكلامية في الأصول.

•             كتاب "فصل المقال فيما بين الحكمة والشّريعة من الاتصال"، وهو من المصنّفات الفقهية والكلامية.

•             كتاب "تهافت التهافت" الذي ردّ فيه ابن رشد على الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة".

•             كتاب "الكليات".

•             كتاب "التحصيل" في اختلاف مذاهب العلماء.

•             كتاب "الحيوان".

•             كتاب "المسائل" في الحكمة.

•             كتاب "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" في الفقه.

•             كتاب "جوامع كتب أرسطاطاليس" في الطبيعيات والإلهيات.

•             كتاب "شرح أرجوزة ابن سينا" في الطب.‏

 

3- آثاره التربوية:

عاش ابن رشد في عصر سادته الصّراعات السّياسية والمذهبية والنّزاعات العسكرية، سواء في المغرب أو الأندلس. وظروف مثل هذه تحرك همم المفكرين والعلماء، وتدعوهم للتّأمل في أسبابها، وتَلَمُّس حلول لها. وقد اهتم ابن رشد الفيلسوف بهذه الظروف، وأولاها عنايته، وعبر من خلال اهتمامه عن انشغاله بقضية التّربية والتّعليم كعامل أساسي من عوامل تشكيل شخصيات الأفراد، وتحديد قنوات لإيجاد مسارب التّوافق والتّكيُّف الاجتماعي والذّاتي.

- تتوزع آراء ابن رشد في التربية ضمن مؤلفاته المختلفة، وأهمها:

أ ـ "تهافت التّهافت" الذي ردّ فيه على كتاب الغزالي "تهافت الفلاسفة". وكان ردّ ابن رشد من أهم ما صُنِّفَ في الرّدّ على الغزالي وإبطال مزاعمه، بحيث إنه أثار الجدل الواسع بين الفقهاء والحاكمين والخاصة والعامة... لأنّ ابن رشد رام في كتابه الدّفاع عن الفلسفة، وبيان أهميتها في الإصلاح السّياسي، والاجتماعي التربوي.

بـ "جوامع سياسة أفلاطون" وهو ترجمة وتلخيص وشرح لكتاب جمهورية أفلاطون، وفيه تعرّض لشروط المجتمع الفاضل، وسبل بنائه، ووقايته، وطرق سياسته وتدبيره، ووظائف أفراده...

ج ـ "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"، وفيه فصل القول عن قضايا مهمة تحتل مكانة في فلسفة التّربية؛ منها واقعية المعرفة، ووجوب النظر العقلي، والفلسفة، وغيرها. كما تعرض لحُكم تعلُّم الفلسفة، وحُكم علوم غير المسلمين، والقدرة البشرية على الإحاطة بالعلوم، والتأويل، وتصنيف العلوم، رادًا في فصول كثيرة على كلام الغزالي وآرائه.

دـ "شرح أرجوزة ابن سينا في الطب"، حيث عمد ابن رشد إلى الحديث عن نمو الجنين، والعناية به، وميلاده، وتدبيره، ورعاية نموّه النّفسي والبدني.

- وكتب أخرى كثيرة، عبّر فيها عن آراء في التّربية مؤسَّسَة تأسيسًا فلسفيّا إسلاميا، تنم عن سعي ابن رشد الفيلسوف الطّبيب لوصف بلسم شاف يعالج أسقام أمته وعصره. والمقالة المتواضعة التالية تحاول الاقتراب من ابن رشد واستعراض ملامح فكره التربوي.

 

4- أسس فلسفته التربوية:

ـ يقول ابن رشد في تعريف العقل: "هو إدراك نظام الأشياء الموجودة وترتيبها… فالصّور المادية إذا تجرّدت في النفس من مادتها، صارت علما وعقلا، ولما كانت معقولات الأشياء هي حقائق الأشياء، كان العقل هو إدراك المعقولات، أي إدراك نظام الأشياء الموجودة وترتيبها وأسبابها". ويتفق ابن رشد في تعريفه العقل مع مفكري اليونان؛ الذين اعتبروه مَلَكَةً خاصة بإدراك المجردات، وبمعرفة الكلي، في مقابل المحسوس الجزئي.

فالعقل بهذا التّعريف هو منهج في النّظر، وطريقة في تحصيل المعرفة تسعى لإدراك أنظمة الموجودات، وترتيبها، وأسبابها. وهذا النّظر العقلي؛ يرى ابن رشد أنه واجب في الإسلام. قال في كتابه فصل المقال: "إن الشّرع قد أوجب النّظر العقلي في الموجودات واعتبارها" واستعرض آيات من القرآن الكريم، ونصوصا من الحديث الشّريف، لتأكيد قوله.

وإذا كان التّفكير العقلاني يعني عرض المرء أفكاره بطريقة منطقية تنم عن قدرته على كشف أسباب وجواهر الظّواهر، فإنّ هذا لا يمكن أن يتحقّق في ظل تربية متخلفة تعتمد إرهاب الصّبيان وسيلة للتّحكم فيهم، وتوجيههم، وتنشئتهم... يقول في جوامع سياسة أفلاطون: "لا يجب أن نعلّم النّشء أن هناك مخلوقات (الجن) تهدم الجدران على الناس، ولا يحول بينهم وبينهم أي حائل. وأنهم يَرونَ ولا يُرَوْن، ويوجدون أينما يريدون، وأنهم ينتحلون ما شاءوا من الصور". فهذه الخرافات تأثيرها السّيّئ على التّكوين النّفسي للصّبي قوي؛ بحيث يلازمه طيلة حياته، وقد يحول دون توافقه الذّاتي السّليم، ويعرقل اندماج الفرد في مجتمعه، ويمنعه من أداء وظيفته الاجتماعية.. "إذ تمنع هذه الوليد من أن يكون جنديا قويا، وتنمّي الخوف في قلوب النّاشئة".  فأمر الشّرع بوجوب استخدام العقل؛ قد ينقضه هذا الأسلوب التّربوي الخاطئ.

إن الحصيلة الضّخمة من المعارف المتمثّلة في العلوم المختلفة؛ هي وليدة النّظرة العقلية التي همّها البحث عن الحقيقة في كل أرجاء الكون.

 

ويؤكد ابن رشد: أنّ المعرفة الإنسانية والعلم البشري أصلهما من الواقع: "العلم اليقيني هو معرفة الشّيء على ما هو عليه. والعلم المخلوق فينا إنما هو أبدًا شيء تابع لطبيعة الموجود".  فالواقع هو مصدر المعرفة والمؤثر فيها بمتغيراته. كما أن الواقع نفسه يعكس التّغيرات والتّطورات التي تطرأ على العلم والمعرفة: "فكل علم معرفة، جزئيّة كانت أو كليّة، لا يمكن إلا أن تكون مرتبطة بالواقع، ونابعة منه"  بل حتى القضايا الكليّة المجرّدة المؤلفة – بواسطة العمليات العقلية الذّهنية المعقدة- من الجزئيات، هي موجودة في الواقع قبل أن توجد في الذّهن. يتمثل وجودها الواقعي في أشكالها الأولى، وجزئياتها التّفصيلية، قبل أن تتبلور في الذّهن.

ومع اعتراف ابن رشد بمكانة العقل في التّمييز والتّحصيل والوصول إلى المعرفة.. فإنه يرى أنّ قدرات العقل محدودة، ثم إنّها تختلف من شخص لآخر، والعقل عاجز عن تحصيل جميع العلوم، فهناك أمور لا يستطيعها، ولا يمكنه أن يستقل بمعرفتها بمفرده، وكي يستطيع الوصول إلى ما غمض عليه من العلم؛ لا بد من الاستعانة بمن سبقوه، والاستفادة من اجتهاداتهم.

 

والمعرفة متنوِّعة بقدر تنوُّع هذا العالم المحيط بالإنسان. لذلك كان مستحيلا على الإنسان الفرد الإحاطة بكل العلوم. كما يستحيل على فرد منفرد أن يُنشئ علما مبتكرا كامل القواعد من دون الاستعانة بتجارب من سبقه، فالعلوم لا يكمل النّظر فيها إلا بعد زمن طويل من البحث فيها.(14) والمعرفة تمثّل تراثًا إنسانيًّا عالميًّا تثريه التّراكمات الناتجة عن إسهام وعطاء الشعوب المختلفة، فلذلك يصعب استغناء المتأخّرين عن أعمال المتقدّمين، وهذا يوجب الاستعانة بما انتهى إليه البحث العلمي، والاسترشاد باجتهادات العلماء السّابقين، حتى ولو كانوا مختلفين معنا دينا؛ مثل اليونان. فنأخذ منهم ما نجده موافقا للحق، ونعذرهم على ما هو ليس موافق له، لأنّ آثارهم تتحدد قيمتها بحسب الشّروط التي أوجدتها، فما توصّلوا إليه ليس ملزما للأمة الإسلامية، وليس واجبا على الفلسفة من حيث كونها فلسفة؛ لأنها مجرد تأويلات اضطروا إليها حسب المقام والمقال، لأن الفلسفة هي النّظر في الموجودات، واعتبارها من جهة دلالتها على الصّانع.

ويؤكّد ابن رشد العلاقة الضّرورية بين السّبب والمسبِّب كخطوة نحو إرساء دعامة الفكر العلمي في الثقافة العربية، وذلك برد كل شيء في العالم إلى أسباب تُدرَك بالعقل.

 

لم يجد ابن رشد حرجًا في تقرير علاقة السّببيّة على الاعتقاد والإيمان الديني العميق بوجود الخالق الفاعل في هذا الكون، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الكون، وخلق القوانين والسّنن التي لا سبيل إلى خرقها وتبديلها، فعلى حين تَحَرَّجَ الغزالي في تقرير علاقة السّببيَة، لم يتحرج فيلسوفنا في تقرير العلاقة السّببيّة باعتبارها من سنن الكون وقوانينه.

لم يقبل ابن رشد موقف الغزالي القائل بعقم التّصوّر الفلسفي للضرورة السّببيّة، واعتبر ابن رشد أن رفع الأسباب إنما هو رفع للعقل نفسه، ورأى إلى جانب ذلك أنه ليس يلزم من العلم ليكون علمًا أن يكون قائمًا على الضرورة السببية. فالعلم الحقيقي الذي يستند على العقل هو العلم بالأسباب والمسببات... فالعقل هو الذي يدرك الأسباب والموجودات الطبيعية. وإذا رفعت الأسباب والمسببات، رفع العقل، وإذا رفع العقل؛ بطل العلم، وحلت الظّنون محل العلوم الحقيقية العقلية.

فكرة السّببيّة كما شرحها ابن رشد تؤكّد العلاقة بين الأسباب والمسببات، وهي تتعارض مع فكرة التّواكل التي لعبت دورًا أساسيًا في التّخلف العربي في العصور الوسطى. لأن الإيمان بفكرة السببية يثمر الاعتقاد بحرية الإنسان واختياره، وبأن للأشياء في ذاتها وبطبيعتها نفعًا أو ضررًا وحسنًا أو قبحًا.

5- غاية التربية مجتمع فاضل:

لاحظ ابن رشد أن من أعراض الأزمة السّياسية والفكرية تخلي الطبقة الحاكمة المؤلفة من القادة والأئمة والعلماء عن مبادئهم العقلية، واتخاذهم موقفًا معاديًا للعلم والعقل. كما لاحظ أن مواطنيه لم يلتزموا وظائف اجتماعية محددة، بل لم يشتغلوا بصنعة واحدة، وانساقوا وراء أغراض مختلفة متناقضة، وانشغلوا بصنائع متعددة.

 

ولرصد غاية التّربية؛ رجع ابن رشد إلى الإرث الفلسفي اليوناني، وهو به خبير، بل وأكثر من ذلك؛ فقد كان ابن رشد يرى أن شروط تأسيس مدينة فاضلة كما حددها أفلاطون؛ يمكن إقامتها في بلاد المغرب، لأن بلاد المغرب في عصره توفرت على الشّروط نفسها التي كانت تتوفر في بلاد اليونان زمن أفلاطون. ولعل عقيدة المهدي هي التي أغرته بذلك، فالمهدي بن تومرت، زعيم الدولة الموحدية، شرح عقيدته في كتابه "أعز ما يطلب"، ووضع العلم في مقدمة الدولة، وكذلك فعل أفلاطون في جمهوريته، الأمر الذي أغرى ابن رشد، وجعله ينظر لشروط المجتمع الفاضل في ظل الدولة الموحدية، ويتخذ مرجعيته من آثار أفلاطون. فرأى ابن رشد رأي أفلاطون، أن غاية التّربية هي بناء مجتمع عادل يتآلف من مواطنين أصحاء البدن والنفس. والفيلسوف المربي هو الذي يوجه الأفراد نحو الوظائف المناسبة لهم حتى يقوم كل فرد بما هو أهل له، وهذا يتطلب منه معرفة بطبائع الرّعايا، والتّشكيلة الاجتماعية، حتى يوفق في توجيه الأفراد الوجهة التي تستجيب لظروف الأفراد، وتلبي حاجات المجتمع، مع الحفاظ على التّوازن والاعتدال، والمجتمع العادل في رأي ابن رشد هو الذي يقوم فيه الفرد بمسؤولية واحدة لا يتعداها، والاعتدال سبب السّعادة والدّوام.

 

هذه التّربية تحدّد وظيفتها في حفظ الناشئة في بدنها حفظًا طبيًّا، وفي عقلها ولسانها حفظًا تربويًّا أخلاقيًّا... والفيلسوف المربي، حتى يوفق في ذلك، يجب أن يكون مطَّلعًّا على العلوم النّظرية، ومكتسبا حنكة الدهر، هذه الحنكة هي التي تدل على التّمرس بقواعد الصّناعة الفلسفية التّربوية، وتخرج عمله النّظري إلى التّطبيق والتّجربة.

 

ومن شروط المجتمع الفاضل: قيامه على علاقات تبادلية بين أطرافه، بحيث لا مجال فيه للانعزال والاغتراب والانكفاء على الذات...

 

6- الانعزال نزعة سلبية:

إن أبرز آراء ابن رشد: هي إيمانه المطلق بضرورة الانفتاح على الآخر، وعدم الانعزال والتقوقع على الذات؛ الذي يعتبره انحرافًا في السّلوك تترتَّب عليه مساوئ وأضرار اجتماعية كثيرة.

ينادي ابن رشد بتحقيق الانفتاح على مستويين اثنين: اجتماعي، وثقافي فكري.

أ- على المستوى الاجتماعي: لاحظ ابن رشد أنه في خضم الصّراعات والفتن السّياسية والفكرية... تنتشر النّزعة الانعزاليّة بين الناس على اختلاف طبقاتهم ووظائفهم، وهذه النّزعة علة تصيب الإنسان لخلل يلحق توازنه النّفسي، وهي تتعارض مع ما جُبِل عليه من ميول نحو الاجتماع والأُنس.

يرى ابن رشد أن حياة التّوحد والانعزال لا تثمر صناعات ولا علومًا، وواجب الإنسان أن يأخذ بنصيبه في إسعاد نفسه والتّمتع بفرص الحياة الدّنيوية وإسعاد المجموع... وهذا يقتضي من كل فرد أن يؤدي دوره الاجتماعي، ووظيفته المؤهل لها.

وقد نالت المرأة أيضا حظّها من اهتمام ابن رشد ولم يهملها، فنادى بضرورة إشراكها في تحمل نصيبها من خدمة المجتمع، وأداء دورها في إنتاج الثروة المادية والثّقافية وفي حفظها، مثلها مثل الرجل. فعلى النّساء أن يقمن بنفس الأعمال التي يقوم بها الرّجال، ولا تقتصر وظيفتهن على النّسل وخدمة بعولتهن.. فإن ذلك مبطل لدورهن الحقيقي. وقد تطرق في كتابه بداية المجتهد لموضوع ولاية المرأة المناصب الإدارية والشّرعية كالقضاء... وأورد في ذلك أقوال عدد من العلماء والفقهاء. وكتب في جوامع سياسة أفلاطون: "ولما حرمت النسوة مشاركة الرجال في الفضائل الإنسانية، كان الكثير منهن شبيها بالنّبات، وكن عالات على الرّجال، فإنهن لا يقمن بالأعمال الضّرورية، بل يقمن بأعمال غير ذات أهمية تملأ الفراغ كالغزل والنّسيج". وهذا الكلام ينم عن احتقار للعمل اليّدوي المتمثل في الغزل والنّسيج، ولا نظن أن إماما فقيها مجتهدا، وفيلسوفا كبيرا كابن رشد يصدر عنه ذلك، لكن التّرجمة عن أفلاطون هي التي أوقعته في الغلط، ولم يلتفت إليه. إنّه لا يختلف اثنان حول الأهمية الاقتصادية والاجتماعية للنسيج والغزل ولتربية الصبيان، لكن الفلسفة اليونانية تريد النّساء حكيمات مشتغلات بالنظر العقلي، والوظائف القيادية والولاية مثل الرجال. إلا أن القول يتضمن دعوة إلى إقرار حقها في التّعلم والتّكوين بشكل مساوِ للرّجل.

 

ب ـ وعلى المستوى الثقافي الفكري يحث ابن رشد على ضرورة الانفتاح على الفكر الآخر، وعدم الانغلاق الثقافي، مع الحرص على إخضاع الفكر الآخر لأحكام الشّرع والنّظر في مدى موافقته لأحكامه. وفي ذلك اجتهاد وعمل عقلي لا يكتفي العالم المتعلم بما جاء به السّابقون: "يجب علينا، إن ألفينا لمن تقدم من الأمم السّالفة نظرا في الموجودات واعتبارا لها، بحسب ما اقتضته شرائط البرهان، أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم، فما كان منها موافقا للحق قبلناه، وسررنا به، وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق؛ نبهنا عليه، وحذرنا منه، وعذرناهم".  وبهذا نضمن ممارسة المعرفة الحق والتّحرّر من الانغلاق الفكري والمذهبي، وتفتحا على الغير... والدّعوة للتّواصل مع الغير تتضمّن نداءً لاختراق أفكار وثقافات مغايرة، والتّفاعل معها.

 

وقد عبر ابن رشد عن تصوّر جديد لاختلاف الآخر المخالف لنا في العقيدة، تصور ناتج عن احتكاك ابن رشد بمجتمعات معاصرة له -مختلفة تماما- عايشها، وأخرى قديمة خبر أحوالها من خلال تراثها الذي قرأه ودرسه وبحثه. ويستفاد من آراء أبي الوليد أن الاحتكاك بالاختلاف يكون إيجابيا إذا كنا قادرين على مقابلته وموازنته بالنّظام القِيَمي الذي ننطلق منه، ونؤسس عليه مشاهداتنا وتأملاتنا للمغايرة والاختلاف. وهذا النّظام القِيَمي يجب أن يكون الإسلام.

فإذا كانت الحكمة حسب التّعريف الرُّشدي هي النّظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الخالق، فإن الشّريعة تُبَصِّر الإنسان بحقيقة الوجود؛ أي بالخالق والمخلوقات، وما بينهما من علاقة... وترسم إلى جانب ذلك منهجا للسّلوك الفردي والجماعي الكفيل بتحقيق سلامة الفرد والمجتمع، هاديا إلى الأسلوب الأصح في الممارسة والتّطبيق. والتّربية هي وسيلة الشّريعة في ضبط مسار النّاس وتوجيههم، وتبصيرهم بما يضمن سلامتهم، ويحقق كمالهم... وتزوِّد العقل المسلم بمعايير علمية للتمييز بين الخبيث والطّيِّب، وتشكّل معالم الشّخصية المسلمة مع الحرص على تحديد الهويّة الإسلامية، وإبراز معالمها وحمايتها من الذوبان في خضم الاحتكاك والتّفاعل مع الثّقافات الأخرى.

أرشيف فلسطين الشباب