العجل الصيني

  • بلال الملاح

القصة بدأت عندما كنت أجمع معلومات عن أفضل قطع اللحمة في العجل، وبينما كنت أناقش الجزّارين وأصحاب مهنة الجزارة،

لم أقتنع بكل ما قالوه، ربما لأنني لم أعد أثق بهم في موضوع اللحمة على وجه الخصوص، فقد عقدت العزم على سؤال شخص قريب لي، أثق به جيداً، وقد حدثني طويلاً عن اللحمة وأنواعها من العجل إلى الخروف مرورا بالحبش والدجاج والسمك، وقد نصحني بأن أشتري دائما اللحمة التي تكون في المقدمة، عارضا قدراته أمامي بأن العجل لحمته الطرية تكمن في المقدمة وليست في المؤخرة.

 

على كل الأحوال أخذت بنصيحته وعزمت على أن أشتري اللحمة التي تكون في المقدمة، لأنها طرية ولذيذة ولا تسرف كثيراً في طبخها.
وبينما كنت أتجول في السوق، كان هناك بائع ينادي أربعة عجول فقط بعشرة شواقل، فكرت طويلا وقد اعتقدت أن العجول بلاستيكية، وعندما اقتربت لأتحقق من الأمر وجدتها حقيقية، فقلت في نفسي، سأشتري عجلا واحدا وبالتالي يصبح ب 2 ونصف الشيقل، فاقتربت أكثر من البائع وقلت له أريد عجلا واحدا فقط.                

قال لي: لا بأس.. ولكن العجل الواحد بأربعة شواقل.

قلت له: لا مشكلة عجل كامل بأربعة شواقل! لا يوجد أفضل من ذلك!

ربطت العجل بحبل قوي وسرت وسار ورائي، وأنا أمشي في السوق كان الجميع ينظر إلي بتعجب شديد والبعض يضحك ضحكة مقهقهة وهو يشير لأصحابه إلي، لم أعتقد أن الأمر مهين إلى هذه الدرجة، ولكنني أكملت طريقي باتجاه مكتبي حيث أعمل، وقبل أن أقترب من البناية التي فيها مكتبي، نظر إليّ شيخ طاعن في السن وقال لي: هل العجل الذي تقوده للبيع؟

فقلت له: حاليا ليس للبيع، ولكن إذا أردت أن تشتري فبإمكانك أن تذهب إلى باب الزاوية فهناك تاجر كبير يبيع الأربعة عجول فقط ب10 شواقل!

وكأن الشيخ لم يعجبه كلامي، لكنه ذهب باتجاه باب الزاوية دون أن ينطق بكلمة، وكان كلما تقدم باتجاه باب الزاوية التفت إلي هازّا رأسه، وكأني سمعته يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله!
دخلت العمارة وبرفقتي العجل، أردت أن أصعد به عبر الدرج لكنه رفض، فقلت في نفسي يبدو أن عجلي مرفه ولا يحب أن يتعب نفسه كثيرا، طلبت المصعد الكهربائي، وانتظرنا بضعة دقائق حتى جاء المصعد، كان به عدد كبير من الناس، وجميعهم نظروا إليّ باستغراب وخرجوا من المصعد كي يفسحوا لنا الطريق، صعدت به المصعد وقد طلبت الطابق المطلوب وأخذ المصعد يرتفع، وفي كل طابق كنا نتوقف عنده كنت أرى في عيون العجل التذمر الشديد.

وصلنا أخيرا إلى الطابق المطلوب، ربطت العجل خارج المكتب كي آخذه معي بعد انتهاء الدوام إلى البيت، وقررت أن أتصل بقريبي الذي نصحني في البداية؛ ليقوم بذبحه وتقطيعه ويصبح جاهزا للطهي ومن ثم للأكل، كان العجل يصدر أصواتا خاصة به، لم أفهمها ولكن اعتقدت انه بحاجة إلى الماء، فجلبت له الماء وشرب حتى ارتوى، وبدأت المياه تسيل من أطراف فمه الكبير، رويت ما حصل معي لكل زملائي، هرعوا جميعا إلى المكان لكي يشاهدوا العجل، لم يستطيعوا إخفاء ضحكاتهم، وأنا لم أسأل قط عن السبب الذي يدعوهم للضحك!
انتهى الدوام وأنزلت العجل عبر المصعد وكانت أصوات ضحكات الناس تدوي في أذني، وصلنا إلى الطابق الأرضي، وقفت في الشارع، أنتظر سيارة تقلّني حيث أسكن، لم توافق أي سيارة على حملي، والسبب ليس في كبر حجم العجل، فالعجل كان صغيرا وقد قمت بإغراء بعضهم على أنني سأدفع لهم الكثير مقابل نقلي إلى البيت، لم أفلح في إقناع أحد على حملي بسيارته، فاضطررت إلى السير به مشيا على الأقدام، ولأنني رجل ملتزم بمواعيدي، اتصلت بي زوجتي متسائلة: أين أنت فقد تأخرت كثيرا؟
قلت لها: لقد أحضرت معي مفاجأة وأنا قادم في الطريق، أحتاج إلى ساعة أو أقل؟
لم تناقش زوجتي في الهدية أو المفاجأة لأنها تعرف أنها لن تحصل مني على أي معلومة إلا في الوقت المناسب، وصلت إلى البيت بعد عناء شديد وضحكات الناس من حولي في كل متر أقطعه، وحين اقتربت من البيت اتصلت بزوجتي لكي تنظر إلى المفاجأة من النافذة، ولما رأت العجل ضحكت كثيرا!

فقالت لي: كم اشتريت العجل؟

قلت لها: بأربعة شواقل

 

قالت: اصعد يا حبيبي فقد ضحكوا عليك

الآن عرفت أن العجل فيه مشكلة أو أن هناك شيء قد التبس عليّ، دخلت إلى البيت وقلت لزوجتي ما حدث معي منذ اللحظة الأولى، فقالت لي أن العجل صيني، وأن ثمنه أقل من ذلك بكثير..

فقلت مندهشا: أقل من أربعة شواقل!

قالت بكل ثقة: نعم.. ناهيك عن ذلك، فإن الناس لم يعودوا يأكلون اللحوم، وقاطعوها فأصبحت بأرخص الأثمان دون أن يهتم لها أحد!
حينها فقط عرفت تماما كم كنت مغفلاً عندما اقتربت من التاجر.. ومغفلا أكثر عندما لم أسمع ما يقوله الناس، وكم كنت بعيدا عنهم، معتقدا أنّ فرصة لاحت أمامي وحدي وأنا اغتنمتها بكل جدارة!

أرشيف فلسطين الشباب