التربية الإسلامية.. قِيم أم مادة للامتحان؟!

  • يسري الغول

انتهت امتحانات الثانوية العامة، ومن قبلها امتحانات الصفوف الأخرى،

واختتمت سنة دراسية جديدة، مليئة بالمناهج والدروس التي بحاجة لإعادة نظر في حجمها ومكانها ودورها في صناعة جيل واعد، قادر على مواكبة التطور، والتركيز على ما يصقل مهاراته إلى جانب قيمه الأخلاقية والإنسانية والوطنية.

 

ولعل الناظر إلى كثير من المناهج التعليمية يدرك أن هناك خللاً مفاهيمياً في صناعتها، إذ أنها ما زالت في ذات النسق القديم، والأفكار التي تسيطر على عقول تربويين بعيدين عن إدراك تطور العصر، وفهم دور كل مادة تعليمية ومكانها الصحيح والإيجابي.

فمادة التربية الإسلامية مثلاً، وهي مربط الفرس في هذا المقال، باتت مادة عادية، وانتفى الهدف الأساس من هذه المادة، فأصبحت عبئاً على الطلاب، تكرهها ربات البيوت، وينزعج منها المُمتحَنون. إذ أن دورها قيمي، لصقل جيل مؤمن بربه ودينه، شأن مادة التربية الدينية للأصدقاء والزملاء المسيحيين.

أتذكر زوجتي وهي تعلم أبنائي وتقول: إنها أكثر مادة مليئة بالدروس والحفظ والأسئلة، لدرجة أنها ترهق عقل الأطفال ولا ينامون لشدة إرهاقهم من حفظ الآيات والأحاديث وغيرهما.. فماذا عن الثانوية العامة؟!

والسؤال الجوهر هنا، ما أهمية هذه المادة من الناحية العلمية لطلبة الثانوية العامة، مالم تكن مادة قيمية، تظل مع الطالب من الصف الأول وحتى انتهاء الجامعة؟ ولماذا تتساوى درجات هذه المادة -التي لن تكون ذات تخصص لغالبية الطلبة- مع درجات مادة الكيمياء والرياضيات واللغة الإنجليزية مثلاً؟ أليس ذلك إجحافاً؟! بل زيادة على ذلك، فإن دروس هذه المادة ضِعف دروس المواد الأخرى، وصارت تشكل عبئ كبير على الطلبة وتعمد إلى تغيير درجاتهم، لصالح آخرين يستحقون التميز في المواد العلمية الأخرى.

الأمر لا يحمل انتقاصاً من قيمة هذه المادة، ولكن حزناً على ما وصل إليه التربويون في تحويل مادة قيمية عظيمة إلى مادة امتحانات ودرجات فقط، وهنا يتأتى سؤالنا الأساس: لماذا مادة التربية الإسلامية؟ ما هي الحكمة من كونها مادة مرتبطة بدرجات وامتحانات؟ ألم يكن من الأجدى أن تتحول إلى مادة قيم وتحت مسمى مادة القيم الدينية، وتعمد إلى صناعة جيل يؤمن بالدين دون تفكير مادي ارتباطي بدرجة أو علامة صفية؟

تخيلوا معي أن مادة التربية الإسلامية والمواد الدينية الأخرى لغير متخصصي العلوم الشرعية باتت مادة غير مرتبطة بالدرجات، وتحولت من حصة على الطالب أن يركز فيها لأجل علامات وتقييم صفي، أو ليحل الواجبات إلى مادة مغلفة بالحب والتسامح والدعوة للبناء وصناعة الإنسان الوازن المؤمن أن الدين غير مرتبط بمصالح دنيوية مادية، بل هو منظومة قيم شمولية عظيمة، لا يجب أن تشوبها فكرة المادية بالمطلق، حتى في درجات مدرسية.

ثقوا أن الواقع سيتغير، والطلبة سيصبحون أكثر انتماءاً لدينهم وإنسانيتهم، وستخلوا البيوت من تشنج الأمهات وانزعاجهن من صعوبة وطول المادة التي لا ينام فيها الأطفال. وكذلك لن يظلم أي طالب لأجل مادة أسمى من أن ترتبط بشيء دنيوي، مادة يجب أن تكون الأجمل لدى الطلبة والأكثر قدرة على بناء الجيل وتطويعه لإدراك دوره الإيجابي في الحياة والنهوض بوطنه وشعبه.

إنها نصيحة أقدمها لوزارة التربية والتعليم، بإعادة النظر في هذه المادة وكذلك مواد أخرى، والتركيز على تطوير المناهج بما ينسجم مع العولمة والتطور المذهل في هذا العالم الصغير جداً، لنتقدم خطوات نحو تحرير الإنسان قبل تحرير الوطن.

أرشيف فلسطين الشباب