أسوأ نصف ساعة!

  • لميس أبو تمام

ما أن توقفت قدماي حتى أدركت أنني وصلت المقهى الذي أشرب فيه قهوتي يوميا،

و الذي يقع تماماً تحت مقر الشركة التي أعمل بها.. أقصد التي كنت أعمل بها. في أول يوم لي بعد طردي التعسفي أراني لا أجد مكانا آخر أذهب اليه!

 

ترددت خطواتي لكن سرعان ما قررت الدخول. قابلني النادل بنفس السؤال وقال: قهوتك المعتادة سيدي؟ جاهزة.. أومأت برأسي و جلست في آخر طاولة مهجورة في هذا المقهى الصغير و وصلتني قهوتي في كوب زجاجي وليس كرتوني كالعادة. وإذ بفتاة تدخل بكل نعومة وهدوء، وتطلب قهوتها، نظرت من حولها فلم تجد طاولة تجلس بها. ذوقاً مني، بعدما التقت عينانا مرارا، قلت: تفضلي، و أزحت الكرسي بجانبي دون أن أقف. وافقت دون تردد.

جلست مقابلي وعدلت كرسيها بكل أناقة وقالت: شكرا.. وابتسمت. لم أتوقع أن توافق، فقد قلت ما قلته بداعي الأدب فقط!

وصلت قهوتها فسارعت إلى ارتشافها دون أي حذر من سخوتنها، بكل نعومة تصدر أصوات ارتشافها دون خجل. ثم تنظر إلي و تبتسم. كانت تبدو مستعجلة، سألتها عن سبب عجلتها فبدأ الحديث.

كانت حلتها الرسمية تضفي عليها لمسة من الرقي، وظهرها الممشوق الطويل يزيدها أناقة. وكان قميصها الأبيض ذي الياقة العالية  يداعب رقبتها بكل نعومة. ما أجمل أصابعها التي تحمل كوب القهوة الساخن وتحتضنه بقوة دون أن تشتكي، وكأن حرارة جسدها البرونزي تفوق حرارة القهوة بين يديها. كانت عيناها العسليتان القويتان تتأملاني دون تردد، هي من دون شك.. فتاة مختلفة، سحرتني بكل تفاصيلها، حتى هذا الشعر البني القصير الذي لم يعجبني يوماً، أحببته بشدة، لونه رائع، يُكمل تدرجات بشرتها وعينيها كلوحة فنية أبدع رسامها، مجرد النظر إليها كان متعة بالنسبة لي. كانت هذه الفتاة ذكية، وأجوبتها لا تشفي ولا تشبع أسئلتي. دائمة الهرب إلى أن تسألني هي. أخبرتها سبب وجودي في المقهى، تحدثت عن دراستي، عائلتي، أصدقائي، عملي "السابق" وكانت أجمل مستمعة وأرق مدمنة قهوة رأيتها.

عندما سألتها عن عملها أجابت بكل هدوء:

- رح أحكيلك، بس بعدين لازم أقتلك

- بلاش كلام الأفلام

-عنجد، لازم أقتلك قبل ما تقتليني

ضحكتُ

وقفت فجأة بعد أن نظرت إلى ساعتها. وقفت أيضا وقلت:

-هاي أسرع نص ساعة بتمر علي

تصافحنا، وقالت بكل ثقة:

-فرصة سعيدة، بعتقد رح نلتقي مرة تانية

ثم غادرت المقهى قبل أن تسمح لي أن أقول شيئا، و تركتني مع حيرتي. كيف فتحت لها صفحاتي، وأفشيت بكل تلك المعلومات عني بهذه السرعة، يبدو أنني منذ زمن لم تسحرنِ فتاة بهذه الطريقة، ربما هو الحب.. ضحكت بفرح.

هممت لمغادرة المقهى فإذا بزميلي السابق في العمل يصادفني، ويطلب مني الذهاب معه الى المكتب لتدريب الموظف الجديد على بعض الأمور المهمة  وتسليمه مفاتيح الأدراج  والملفات وما إلى ذلك. ذهبت معه بصدر رحب و أنا أردد في عقلي:أنذال بهالسرعة وظفتو غيري!

وكأن عمود إنارة وقع على رأسي وسبب في انتشار صعقة كهربائية في جسدي، والله لو صدمتني شاحنة تنقل أحجار البناء لكان أهون علي من عودتي إلى المكتب بعد ما رأيته.. إنها (رغد) الفتاة التي جلستُ معها و أُعجبتُ بها، الموظفة البديلة. خرجت من باب الشركه أتمتم بصوت مرتفع: شو وقحة.

لم أر في حياتي فتاة سيئة الطبع مثلها، جريئة جدا حتى مع الغرباء، و تضحك دون خجل. وذلك الشعر القصير جداً كشعر الرجال كم هو مقرف، حتى أن عطرها خنقني.. كانت أسوأ نصف ساعة في حياتي، يا الهي كم أكرهها، وأكره شكلها و ثيابها وألوانها و حذاءها.. مجرد وقحة !

أرشيف فلسطين الشباب