على حائطٍ قد ينهار

  • أحمد جهاد

( القصة من الخيال الواقع على ذاكرة البلاد، الشخصيات خيالية أيضاً، تعيش حولنا مختبئةً داخل الصور، الزمان مُهمّش، المكان هنا أو هناك )


كنتُ في السادسة من عمري، أعيشُ في البلاد التي تستلقي على البحر ، متعبةً من الموت و الحرب، نعم من هناك، أو من هنا، من غزة، التي تغسل شعرها كل يوم من الحناء (الدماء)، بماء البحر (بدموع النساء)!

 

"البلاد" .. يقولون كانت جميلة، حنطية اللون، شهية ..
"صِفوها لي أكثر"
لكنهم يسكتون وينظرون نحو صورة جدي وجدتي ذات الإطار الزيتوني، معلقةً - منذ أن وُلدت - على حائطٍ يكاد أن يسقط، من ثقل الذاكرة.. ورطوبة المخيم، بجانبها مفتاحٌ صدِئ .. لا أعرف عنه شيئا، ربما هو ديكور زائد على الحاضر .. من زمنٍ بعيد!

" صفوها لي ! "
لكنهم لا ينطقون، ينظرون إلى الصورة الصفراء.. أبي كأنّهُ يصغي لصوتٍ ما ويبتسم بحزن.. أمي كأنّ غيوم الأرض قد تجمّعت في عينيها.. فتحاول منعها من الهطول.. ولكنْ تهرب منها دمعة .

" هل يسمعون كلاماً لا أسمعه ؟! "
أقتربُ من الحائط .. من الصورة ، ربما كان الصوت همساً، و أذني الصغيرة لا تلتقطه عن بعد، أقترب أكثر، فيقول أبي: " احترس إن الحائط قد ينهار في أي لحظة، فتسقط الصورة!"
أكملُ طريقي بعنادٍ طفوليّ ، لكن أبي يوقفني، تحاول أمي تسوية الموضوع على نارٍ هادئة .. أبي لا يستجيب ، يعلو صوته:

"لو سقطت الصورة .. تسقط ذاكرتنا ..!"


هربتُ إلى حِجر أمي ، صوتُ أبي صفعني بقوة ، وضعتُ رأسي على صدرها .. أسمعُ موسيقى : دقات قلبها و أنفاسها .. ارتحتُ بعد خوفي ، فنِمتُ !

استيقظتُ فوجدتُ جدي و جدتي حولي، نظرتُ  إلى الصورة كانت صفراء شاحبة فارغة ، خرجوا منها و جلسوا بقربي ، كنتُ خائفاً .." أين أمي ؟ أين أبي ؟ "...  جدتي و جدي يهدِآني .. رائحةُ الزيت و الزعتر تفوح منهما.

أجلساني و قالا "سنروي لك الحكاية " و شَرَعتْ جدتي تنسج لي حلماً جديداً .. "هناك بين اللوز والزيتون والتين المعتّق و البحر الأزرق كُنا نعيش، نزرعُ ما نريد، و ما تريدُ الأرض، و يهبنا الله ما يريد أيضاً، و كان الله أكرم من جدّك"
ينهرها جدّي .. نضحك، ونستكمل :
" في الصباح نغتسل بالندى، و نفترش السماء مساءً، ، كُنا نجري خلف القمر على طول الوادي، إلى أن يختبئ في آخر البحر، و نختبئ في ظلام الليل .. ثم نصيدُ النجوم كي نشعل النار بها، لترقص حولها الفراشات و الغجريات و نحن، حتى نتعب، فتذهب الفراشات تجُرُّ خلفها خيوط الفجر الأولى، و نذهب … أذكرُ ذات مرة عندما كنتُ صغيرة و سريعة ( كغضب جدك ) سرقتُ منه قُبلة، فركضَ خلفي لكنّي سبقته " ينهرها جدّي .. نضحك، و نستكمل، ينهرها مرةً أخرى.. فنسكت.. يسأل بصوتٍ عالٍ :
- أين المرتينة ؟

-أسفل الخزانة هناك، لكن لماذا ؟
- أغلقي البيت، و احتمي بالأرض، أنا ذاهبٌ للخلف، الحرب قادمة من هناك، سأنتظرها!


أغلقتْ هي البيت بالمفتاح و ابتعدنا قليلاً، ابتعدنا كثيراً ..
مهلاً "هذا المفتاح هو نفسه الذي بجانب صورتكم!"
- نعم هو ذاته
أعطتني إياه و قالت: "اذهب جنوباً، هناك الحرب ستصلُ مجهدة و لن يصيبكم موت"
- ولكنْ يا جدتي، لم تكملي الحكاية!
- نُكملها بعد أن تنتهي الحرب، اذهب و انظر إلى الوراء (إلى البلاد) كلما اشتقت، و امضِ منها الآن ستعود إليها غداً

فعلتُ كما قالت لي .. أركضُ نحو الجنوب، مسرعاً، كلما سمعتُ الموت يلهث خلفي ، تعثرتُ بصخرة ، فوقعتُ على فراشي!

أمي في ركن الغرفة الآخر، تخبزُ مناقيش زعتر، لا أرى أبي .. خرج كعادته حين يغضب، جدي و جدتي يقفان داخل الصورة الصفراء، لكنْ

أين المفتاح ؟  سألتُ أمي ،

- أخفاه أبوك منك أسفل الخزانة هناك ..
-  لماذا ؟
- خاف أن تضيّعه ، فيضيع تاريخنا و تضيع الأرض
- لكن يا أمي، جدتي أعطتني إياه قبل أن أركض ..
- جدتك ماتت ، قبل أن تراها أو تراك
- لا، ما زالت هناك، تقفُ أمام البيت .. و جدّي خلفه يمسك بارودته، ينتظر الحرب!
لم تجبْني، أكملتْ  خبزها في هدوء ...
و أنا أكملتُ ركضي  ..

رائحةُ المناقيش تفوح في المكان، بعد عشرين عاماً، زوجتي تخبزُ في ركن الغرفة الآخر، نفس الرائحة تداعب أنفي و ذاكرتي، و ها أنا ما زلتُ إلى اليوم أنتظر جدتي لتكمل لي الحكاية، و لكنها لا تأتي !


جالساً أنظرُ إلى الصورة المُعّلقة بجانب المفتاح على الحائط الذي لم ينهار بَعدْ، و ابتسامة حزينة أرسُمُها على وجهي حين قال ولدي :

" صِفوها لي أكثر ؟ " 
ثم اتجه نحو الصورة ..

(الصورة ما زالت هناك ، لم (لن) تسقط ... الجدار قد (سوف) ينهار ... لكن القصة تنتهي هنا، و تستكمل في غرفة أخرى ، إلى أن نركض شمالاً )

 

أرشيف فلسطين الشباب