حياة ينخرها السوس

  • جيسيكا ربيع

قد تكون جملة (الله يستر عليكي) قد ترددت كثيرا حد أنني لم أركز إن كان الداعي لي بهذا الدعاء قد تذكر أن يقول لي (كل عام وأنتي بخير) أم لا!

الدعاء بالستر دعاء جميل، ويتمناه كل إنسان. لكن لفرط ما سمعت هذا الدعاء كرهته كثيرا. لم أتخيل أن هذا المجتمع يعتبرني، مهما بلغت من درجتي العلمية وثقافتي، تحت ظل الحيطة! وفي الوقت الذي أسعى فيه لإكمال دراستي العليا، وأطمح لأزيد من ثقافتي وتجربتي في الحياة، يأتي المجتمع من جديد ليسد هذا الطريق في وجهي، ويعود ليذكرني بأنني إمرأة! وأن المرأة مهما علت ستعود لتعلق شهادتها فوق الغاز في المطبخ! وأنها بدون الرجل لا يمكن أن تستمر!!

في الحقيقة، أنا ككل إنسان في هذا الوجود يسعى للاستقرار وتكملة المشوار مع إنسان يسانده في ظل هذه الحياة المريرة التي نعيش! لكن أنا أؤمن أن الفتاة إن لم تجد فعلا من يكمل كيانها فلا حاجة لزواج يزيد معاناتها في الحياة، ويزيد قلقها وتعاستها فقط. أي لتخرج من عذاب لقب عانس إلى قفص الزواج الظالم الذي خاضته الكثيرات وانتهى بالطلاق!

وقد خطر على بالي أن أسأل: من أدخل كلمة عانس إلى قاموس اللغة، وماذا كان يقصد بها؟ فقد صدمت أنه في دولة مثل الجزائر تبدأ الفتاة بحمل هذا اللقب عند وصولها مرحلة البلوغ، مما يعني أن فتاة في ال 14 قد تحمل هذا اللقب، إن لم (يستر) عليها رجل، بمصطلحاتنا! أما بالنسبة لبيئتي فقد أعفيت من هذا اللقب حتى تخرجي من الجامعة. وأنا الآن كما يقولون بسبب عدم قبولي بواحد ممن يتقدمون لي بنظر بيئتي مثيرة للشفقة، وحاصلة على هذا اللقب عن جدارة!

وأكثر ما يثير الإشمئزاز هم من يرمقونك بعين الشفقة لعنوستك مع أنهم يحيون حياة زوجية ينخرها سوس المشاكل وتغطس في بحر من الحرمان!

قد تسألون: ماذا خطر على بال هذه الفتاة أن تكتب عن هذا الموضوع؟ السبب في ذلك، هو أنني جلست البارحة أنا وصديقاتي، ونحن في أعمار مختلفة، ومن مدن مختلفة بفلسطين، جمعتنا دراستنا الجامعية في كليات مختلفة في جامعة بيرزيت، وسألنا بعضنا حول أجمل وأسوأ أيام عام 2007. والمضحك أن خمسا من سبع فتيات منا جمعهن أن أسوأ يوم متعلق بنفس السبب. فقد كن خمسا بأعمار تتراوح بين (22-30) ومررن بنفس الموقف؛ وهو أن تمت خطبتها من رجل متزوج وله عدة أبناء، أو مطلق وله أبناء، أو أرمل، أو برجل لا يتناسب مع ثقافة وعلم الواحدة منهن!

والذي يصدم بالموضوع أن الرجل من هؤلاء كان على ثقة من طلبه، وأنه لا يخطئ حينما يسأل وهو في الخمسين فتاة في الرابعة والعشرين أن تتزوجه. والحجة أن الدين لا يمانع التعدد، وأن التعدد جيد لأنه يقلل من عنوسة البنات. طبعا، نحن لا نعرف من الدين إلا الجزء الذي يرضي رغباتنا ويحقق مآربنا. ما عدا ذلك فنحن لا نعرف من الدين شيئا!

إنه لمجتمع غريب بعاداته ومصطلحاته التي تقتل طموحات الشباب فيه، وتقمع كل أمل لهم في تغيير الواقع، وتفرض عليهم قوالب والتزامات. بل تعذبهم بشيء يكتب عليهم قبل أن يخلق أي فرد منهم.

جيسيكا ربيع

هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

أرشيف فلسطين الشباب