زلابية ستي

  • لينا أبو ضاحي

في العمارة كانت توجد صالة واسعة ملاصقة لشقة جدتي الصغيرة، كُنا عادةً  نستغلها للعب فيها – البيضة، يهود و عرب، ناس و ناس، كهربا، فك الكبش …الخ –  و سواء كانت أصواتنا عالية أو معدومة؛

كانت جدتي دائماً يُزعجها وجودنا في تلك الصالة، و تشتكي باستمرار بأننا السبب في ايقاظها  من "تعسيلتها"  و السبب في كسر أشجار الحديقة المجاورة للصالة "بكسروا السجَر"

كانت عقدتها تشوفنا بنلعب !

شكواها المستمر لأهالينا، جعلهم ضجرين إلى حد عدم اكتراثهم بحديثها، لأننا اكتشفنا في النهاية أن الهدف الأول من بناء هذه الصالة هو أن نلعب فيها نحن بدلاً من اللعب في الشارع.

إلا أنني حاولت أن أتذكّر لها أي فعل كُنا نحبه فيها في طفولتنا، و تذكّرتُ "الزلابية".

بتعرفوا شو هي الزلابية؟ لمّا تقطع الكهربا و انت بتخبز، دايماً بضل 3 أو 4 أرغفة لسه ما انخبزت، بيتقطعوا متلتات زغيرة؛ وبينقلوا بالزيت، و بينرش عليهم سكر بودرة، و بتاكل!

اكتشفت أن جدتي كانت تُعد لنا الزلابيا  لأنها لم تكن تعلم كيف تتصرف بالعجين غير المخبوز الباقي، فبدَل أن تكبه بالزبالة كانت تكبه في بطوننا، حتى السكر لم تكن تطحنه و كانت تضعه كما هو.

فليكُن! المُهم أننا كُنا نستمتع بالزلابيا  من جدتي لدرجة كبيرة، و كانت الزلابيا تمثل مرحلة هُدنة بيننا و بينها.  كان من المعروف أن الطريق إلى قلب جدتي هو: تكنيس شقّتها و الدرج التابع لها!

فبقيامك بذلك تكون الحصيلة؛ أن تسمح لك باللعب في الصالة لمدة لا تتجاوز النصف ساعة، قرشين كويسين، و دعوة منيحة.

صحيح أن جدتي ليست على مستوى عالي بخصوص الدعاوي، أو قد تكون! لكنني لستُ من المعجبين بأداءها الدعائي و استيعابي لما تقول يكون متأخراً دوماً. طلبت مني مرّة أنا أُعد لها شاياً، ألهاني أمر ما و حين تذكّرت أعددته و أخبرتها: معلش يا ستو نسيت. فأجابتي: ينساكِ الموت يا ستي.

في البداية ظننتُ أنها تدعو عليّ لا لي، خاصة مع إقتران الدعوة بـ الموت!

الجميل في جدّتي أنّ لها "كاركتر" مُختلف، و لديها ثِقة بنفسها غير عادية؛ في العيد طلبت من أخي أن يصوّرها،  فصوّرها؛ و لما شافت الصورة صارت تحكي "اللهم صلي عالنبي اللهم صلي عالنبي" لم أسمع عن عجوز تتغزّل بفسها بهذه الصورة  من قبْل!

جدّتي تُحِب أن تُدلّل بشكل كبير و غير عادي، لدرجة تشبه بها الأطفال، قبل شهرين أو أكثر من الآن وقعَت و كُسِرت يدها، الصراحة أن حالتها في البداية كانت صعبة جداً، و بعدها بأسابيع تحسّنت نوعاً ما، لكّنها كانت كلما جاء أحد لزيارتها  تضرب بوزاً؛ و تأخذ تتأوه  من يدها  و كأنها لم تكن قبل قليل بألف خير و لم تشتك منها نهائياً! و المُصيبة أنها مُقنعة، و يُهيأ  لي أحياناً بأن الزائر سيبكي عليها بعد قليل.

مع أنها مثلاً تُتابع مبارايات كرة القدم، و تمارس كل الفعاليات  معنا، أكل الفشار، التصفيق، الصراخ، التشجيع و حتى القفز ! ـ  صحيح انها مش فاهمة حاجة و لا عارفة مين بتشجع و لا مين بلعب أصلاً..ـ الّا أنها متابعة جيدة .

أكثر ما أحبه في جدتي أحاديثها عن ذكرياتها، خاصة عن جدي – الله يرحمه – و أحداث الانتفاضة الأولى و مشاركاتها المختلفة بها. أحياناً كنا ننظم ما بيننا و نختار لكل ليلة واحداً منّا ينام عندها، و نُشغل الوقت معها بسماعنا لقصصها طيلة الليلة حتى ننام.. ولكن المشكلة دائما كانت عندما تطلب منها أن توقظك مبكراً معها؛ بدون أي فواصل تستمر بترديد "قوم يا ستي، وحّد الله يا ستي، استعيذ بالله من الشيطان يا ستي، اسم الله عليك يا ستي" ممكن تضربك و تحكيلك اسم الله عليك بس المهم تصحا.

كُل ذلك بالنهاية يدفعنا للابتسامة، فهي تعبّر عن الأمور بطريقتها الخاصة؛ مؤمنة بأن كل ما تفعله هو الصواب.  عانت كثيراً؛ بترملها المبكر، و مسئوليتها بتربية 8 أطفال، و ظروف كلها اجتمعت ضدها في وقتِ كانت فيه وحيدةْ و ضعيفة !

الله يحفظها يا رب، أو على طريقتها "ينساكِ الموت يا ستي"

أرشيف فلسطين الشباب