نهار.. كعتمة كافرة!

  • يارة رمضان

مستلقٍ على الفراش الناعم، في ما يشبه نوم المستيقظ، لا يدريّ منذ متى..

أشعة الصباح تنقل حرارتها لوجنتيه، حاملةًً معها  نسيم شجرة لوزٍ أضاعت طريقها في وسط المدينة. عبق زهر اللوز يتسلل لأنفه يملأ صدره بالربيع، وبضع عصافير تدندن أغنيةً أزلية عسى أن يفهمها أحد ذات صباح.

في مخيلته رؤية شجرة اللوز الكبيرة، لحاءٌ قاسٍ على ساق طويلة و زهرٌ أبيض، “صمود" اسم استحقته شجرةٌ تقف بين ألف ظلٍ لمباني الازدحام السكاني.

وخزٌ ناعمٌ يرتطم بجبينه و يهرب، ما هذا الشيء لا بد أنها الستارة يحملها الهواء ثم يخطفها مجدداً لتعود اليه. هل يفتح عينيه ليتأكد من صحة نظريته؟ لكنه مرهق.  يعود لينكزه، لا بد أنها الستارة، هل يفتح عينيه و يتأكد؟ لكنه متعب! جفناه متسمران بوجنتيه كقطعتي خشب.

حان موعد الاستيقاظ، لماذا لا يستطيع حمل جسده الناعس للاستيقاظ؟ لا شك أنه صباحٌ جميل!

تعود الستارة لتدغدغ جبينه و تهرب، "يا عاقدَ الحاجبينِ على الجبين اللُجينِ..إن كنت تقصد قتلي قتلتني مرتين..." صوت فيروز يعلو من المذياع القديم، لا بد أن زوجته  نورة فاقت و أشعلته.

يذكر حين وجد ذاك المذياع العتيق ملقاً في مخزن صديقه، فنشله من بؤسه، و أهداها إياه، ليحمل هذا الصندوق البني العتيق فيروز في صباحنا، و كوكب الشرق في مساءنا، هذا ما خطه في البطاقة، عيناها تضيئان كلما جاء إليها بهدية، تضيئان كالقمر حين يكتمل.

نسيمٌ أخر حمل رائحة القهوة من المطبخ "أيتها الشهية متى استجمع قواي و أفيق لأرتشفكِ على مهل "حاول فتح عينيه لكنها بدت مهمة غاية في الصعوبة. من المؤكد أن طاولة الفطور أصبحت جاهزة، وطفليه يدوران حولها عبثا:

-"سارة أُم قرنين هاهاهاها "

-"أُميّ أخبريه أنها تسريحة الأميرات!" تلاحقهما  ابتسامة أُمّ ما بين محبة و لَوم.

على طاولة الشرفة  رغيف الخبز المدور، زيتٌ و زعتر، زيتون، وقطعتي جبن. اللوحة شبه جاهزة لكن ينقصها لون واحد، ينقصها السماء، وعلى السماء أن تفيق من النوم! مرة أخرى يحاول حمل نفسه على الاستيقاظ، ركبتاه ترتجفان، وأسنانه تصطك!

تنسجم ايقاعات الصباح لتعطه أجمل سيمفونية: قهقهة أحمد الصغير، تحياتٌ صباحية في زوايا الحي، حفيف ورق شجرة اللوز، فيروز، صفير أباريق الشاي، و دقات الساعة.. تك تك تدق الساعة، تأخر الوقت! وقد حان موعد الاستيقاظ.

في صباح البارحة تأخر في الاستيقاظ، وفاته الفطور كالعادة، و في العمل وهو غارقٌ بالمعاملات و الأوراق؛ وعد نفسه أن يستيقظ باكراً في الأيام القادمة، و أن لا تتناول سارة الفطور دون أبيها ككل يوم.

محاولة أخرى لنزع نفسه من الفراش و الانطلاق. ترتجف ركبتاه، و تصطك أسنانه. لماذا يحاصره الإرهاق لهذا الحد؟

تك تك تك.. تتساقط قطرات الماء من سقف الغرفة، و لا صوت يلحقها سوى الصدى "تك تك تك" تتغلل رائحة الرطوبة و العفن إلى أنفه و تخنقه. ضوءٌ تسلل من فتحة صغيرة في الجدار ليزعج جفنيه المحمرين، وبرد مفاجئ ينخر في عظامه. ركبتاه ترتجفان، و أسنانه تصطك...

صوت ضرب حديدٍ صدئ ،غرفة 7؟

تك تك.. و تستمر قطرات الماء في التساقط من السقف! أي جهنم هذا؟ هل نام ثلاثمائة عام، ليفيق من أهل الكهف؟ كيف وصل الى قاع حُجرةٍ سوداء بقضبانٍ حديدية!

السرير الدافئ تحول لأرضٍ قاسيةٍ رطبة، و نهار غرفته أصبح عتمةً كافرة، ما أقسى الزنزانة!

لا ليس مجدداً! متى تنتهي الأحلام كي يستطيع أن ينام؟

أرشيف فلسطين الشباب